بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
المدرحية هدية السوريين إلى العالم..
  29/04/2010

المدرحية هدية السوريين إلى العالم..
*محمد حيّان الأخرس

لعل الفارق الجوهري بين من يؤمن بالحداثة والتجديد كمنهج فكري، وبين من هو إلى الآن في طور العقلية التي سادت العصور الوسطى وما قبلها، هو هذا الهاجس الدائم في العمل نحو المستقبل،
والرؤية الثابتة في أن الإنسانية لا يمكن أن ترجع في خط تطورها إلى الوراء، وإن ما يحدث على أرض الواقع الإنساني من تقلبات، ما هو إلا منغصات مختلفة لخط هذا التطور الذي لا مفر منه، ”كوجود الدولة اليهودية " على أرض فلسطين الجزء الجنوبي من سوريا الطبيعية، هذا من جانب. أما من هو في طور العقلية التي سادت في العصور الوسطى وما قبلها، فيرى أن ما مر هو زبدة الحياة، وكمال رؤيتها التي علينا التسلح بما أنتجته من خطاب لغوي، كان له فعله التاريخي المؤثر في مرحلة ظهور العالم الإسلامي في الشرق، وظهور العالم المسيحي في الغرب، هذا الخطاب الذي حلّ إشكالية العالم ما بين الفلسفة والدين، ووضع أسس الخروج من مأزق التضارب ما بين الوثنية والتوحيد، وكان له الفضل في التهيئة للظهور الحضاري حركياً بظهور الآلة التي كانت النقلة النوعية باتجاه الحداثة التي أتت بقوانينها وشرائعها المختلفة والضابطة لحركة التطور الإنساني، والذي اصطدم مجدداً في الغرب مع المسيحية من خلال العلمانية التي سادت فرنسا، ووضعت الدين والعلم في خندقين متحاربين..
إن حركة التجديد والحداثة في أمتنا، والتي كان المعبر الأقوى فيها هو المفكر والزعيم السوري انطون سعادة في بدايات القرن الماضي، حلّت هذا التناقض ما بين العلمانية والدين, ووجهت الأنظار مجدداَ نحو تراث هذه المنطقة من العالم، والتي تسمى سوريا الطبيعية....!!!
ولعل ما أتى به المفكر أنطون سعادة هو الرد العلمي والمنطقي على كل التأزم الذي ساد العالم عامة، والعالم العربي خاصة في التضارب الذي كاد أن يصبح دموياً في أماكن من العالم، وأصبح دموياً في أماكن أخرى..وهو الصراع الحقيقي ما بين الحداثة بشكلها الخالق لمفهوم الحياة الحديثة، المنتجة للآلة وفكرها ونظامها, وما بين المفهوم السائد في الدين الشكل الأمثل للكمال الفردي في امتلاكه لحقائق الكون الثابتة, ولمعرفته الكاملة للعالم كما يرى.. هذا الصراع الذي أخّر مسير التطور وأجّج نار الموت والدم في معظم دول العالم ومنها منطقتنا سوريا الطبيعية..
أما عن الرد الذي أتى به سعادة فيختصر بمصطلح المدرحية" المادة والروح"هذه المصطلح الذي لا يمكن الخروج عنه ولا عن دلالاته في حال أردنا حلاً إنسانياً كاملاً لما يحدث من صراع دموي أو فكري على وجه الأرض، والذي يتلخص في أن المادة والروح واقعان لا يمكن الفصل بينهما أو دراسة أي منهما منفصلاً عن الآخر في خط التطور الإنساني، وأن هذان الواقعان" المادة والروح" في وحدتهما المندمجة يشكلان كما يرى الباحث محمد ياسين الأخرس, مظهر توحيد الكون من خلال الإنسان الحامل والمنتج لهما.
وكما كانت المسيحية الرد السوري على واقع الوثنية الذي كان سائداً في عصر الاحتلال الروماني لبلادنا، هذا الواقع الوثني التي أنتج الفلسفة اليونانية كوعي خارجي له قبل ذلك، وكان الصراع قائماً فيما بينهما، أي بين التجسيد المادي من خلال الآلهة المتنقلة والتي تمتلك صفات إنسانية في معظمها، وبين الفلسفة الجانب العقلي الذي يضج بالتساؤلات التي لا يمكن أن تكون نهائية في أجوبتها، والتي تبحث في نتائجها الأخيرة عن الحكمة.. نقول أنه وكما كان الرد على ذلك الواقع من خلال المسيحية التي مزجت بين المادة والروح,.. بين الروح المتجسدة في المسيح الابن مادياً، و بين التساؤلات الفلسفية عن ماهية الكون والحياة والإنسان، كان الحل هذا الابن الرب المنقذ العاقل، الذي يتحرك على أرض الواقع بجسد مادي وممسوحاً ومبللاً بروح الرب..وهو أمر لم تستطع اليهودية أن تصل إليه، فظل ذاك الرب بشكله المادي البدائي والذي لم يستطع أن يدخل قلوب المؤمنين به من خلال الروح الفاعلة، فاخترعوا ما يسمى الآن بالعنصرية التي أخذت عندهم أكمل أشكالها، والتي تقول أنهم الشكل المادي لهذا الرب اليهودي الذي له كل شيء، وبيده فأس القتل الذي يهوي به فوق رؤوس أعدائه من جميع الديانات والأمم التي لا تقرب بني اسرائيل. هذا اليهوه اليهودي الذي له ملكية الأرض التي وهبها لأتباعه فقط في أي زمان ومكان، و تجسد في نهايته الآن على أرض فلسطين يهودياً يمشي على الأرض مختالاً، ولا يوم آخر له أو مستقبل، سوى زمنه الذي يعيش فيه على دماء الآخرين.
نقول وكما كانت المسيحية هي ذاك الرد التطوري للإنسانية عامة، ومن بعدها أتت المحمدية بآخر المفاهيم التامة للحياة الفردية، وأطلقتها في الأرض مكملة مسيرة الأخلاق والقيم الفردية التي أتت المسيحية بها، والتي أعطت انتماء الفرد للدين كشكل نهائي ومثالي، كانت المدرحية هي الرد السوري لما يجب أن تؤمن به الإنسانية جميعاً فيما بعد، كي تستمر في تطورها نحو النظام الأكثر إنتاجا و مستقبلاً للإنسانية, هذا النظام الذي يشكل في تجسده التقني والعلمي على أرض الواقع الإنساني، نهاية الفلسفة و ما تطرحه من أسئلة، وذلك من خلال العلم، إلا أن العلم لا يمكن أن يكون معبراً عن أي شيء سوى قوانينه الثابتة، والغيب مجاله في ما وراء العقل والمادة والعلم، ولا سبيل لأي حقيقة متجسدة ومنتجة إنسانياً سوى الاقتناع الكامل بوحدة هذين الواقعين" المادة والروح" وأن لا انفصال بينهما، ولا يمكن أن يكون هناك إنتاج له حضوره التاريخي إلا من خلالهما سوياً، ولكن من دائرة النظام المنبثق والمتجسد في وجود هذا الفرد الذي وجّه حراكه باتجاه مجتمعه والإنسانية عامة.. والذي أطلق عليه الزعيم سعادة :" الإنسان المجتمع"
إن الإنسان المجتمع عند سعادة، هو خلاصة ما توصلت إليه الأديان والفلسفة والمعرفة، ممتزجة بحداثة العلم والارتباط بأرض الوطن، والتي دفعت المفكر سعادة للتأكيد على الصراع الفكري، وأن الصراع أياً كان نوعه هو حالة تفاعلية لا تراكمية، وبالتالي لا يمكن أن ننفي أي جزء أو طرف كان شريكاً في هذا الصراع المنتج، والذي قد ينحرف في بعض الأحيان عن مساره الإنساني كما فعلت اليهودية، أو كما تفعل العلمانية الآتية من أقصى اليسار الذي كان رداً علمياً على الكنيسة في الغرب بعد اختراع الآلة.. أو الحركات الأصولية المحمدية وغيرها والتي لا ترى في غيرها سوى نقيض يجب القضاء عليه,.. والتي يمكن أن نلخصها بمصطلح الفردية....
لقد أتت المدرحية على يد سعادة السوري كحلّ إنساني يجب الأخذ به، كي ترسم الإنسانية خطها الأفضل باتجاه الحداثة الجامعة الموحدة، والتي ترتكز على الكل لا على الأفراد كما كان سابقاً، وكي يصبح الإنسان في نهاية الخط التطوري هو المستهدف كفعل حياتي، وهو المستفيد كونياً في خط تطوره الذي يسير باتجاه المستقبل الذي هو غاية كل المجتمعات الإنسانية عامة إلا من خرج عن خط امتزاجها وتفاعلها الحضاري، كما هم اليهود الآن، هؤلاء اليهود الذين سيكونون في يوم ما أعداء ليس للسوريين فقط .. بل لكل المجتمع الإنساني الموحد.....



 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

قومي سوري

 

بتاريخ :

01/05/2010 14:33:54

 

النص :

عندما تعبث امة بمفكريها تنتهي بها الحال للا ستنجاد بانجاد لاتنجد انني احيي الحكم الاردني الذي ابى ان يدخل ملعب فارسي فيه شعارات معادية للعرب ان الزعيم انطون سعاده كان زعميا سوريا مفكرا قرأ المستقبل وتنبا بما نحن فيه