بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
مناقشة لمشروع موضوعات المؤتمر السابع لحزب الشعب الديمقراطي السوري
  16/07/2010

مناقشة لمشروع موضوعات المؤتمر السابع لحزب الشعب الديمقراطي السوري

موقع الجولان


كان الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي ( حزب الشعب الديمقراطي فيما بعد ) من أوائل التنظيمات السورية اليسارية التي خرجت على السائد أو حتى على المألوف منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين و لو أن ذلك جرى باتجاه سائد آخر , الفكر و السياسة القوميتين في المرة الأولى , و الليبرالية في المرة الثانية , و إذا كنا اليوم نهيل التراب , و نصب النقد القاتل , على الفكر و الممارسة السياسية القوميين , إلا أني أرجو أنه بعد سنوات أو عقود , أن نكون , أو الجيل القادم من الثوريين , و الأهم من ذلك أن يكون الناس العاديين أنفسهم , قادرين على التمتع بشيء من الحرية , ألا تنتهي هذه الموجة الليبرالية مرة أخرى إلى القبض على الهواء , ليس فقط بسبب الأمر الواقع و القوى التي تدافع عنه , بل أيضا بسبب القوى التي تريد , أو تقول أنها تريد , أن تغيره . رغم أني أزعم أن الليبرالية كفكر و بنية سياسية – اجتماعية عاجزة عن تحقيق هذه الحرية , إن لم تكن معادية لها , فإنني أعتقد أيضا أنه من الضروري ليس فقط التواصل مع محاولات حزب الشعب الديمقراطي , بل خلق حالة ضرورية من الجدل الذي يتحدث عنه الجميع دون أن يمارسوه , إيمانا في النهاية بأن الفكر لا يواجه إلا بالفكر .
1 – تعتبر الموضوعات أن لحظة تعرف الإنسان السوري ( أو السوريين , حفاظا على حق الاختلاف بين البشر ) على الحرية تعود إلى مرحلة الاستعمار – الانتداب , هذه الفكرة مفزعة في حقيقة الأمر , لعدة أسباب , ليس أقلها أنها تعني أن قيمة إنسانية خارج الزمن و على هذا القدر من الأهمية بالنسبة للبشر كالحرية لم نعرفها كسوريين إلا في هذا الوقت المتأخر من تاريخنا , و نتيجة تصديرها لنا من قبل الغرب و تحديدا من خلال علاقة مستعَمر – مستعمِر , هذا ليس محاولة للقفز إلى رفض ميكانيكي على أساس شعبوي لفكرة أننا قد نكون بالفعل متخلفين أو أن الغرب الليبرالي و المستعمر في نفس الوقت هو حافزنا و دافعنا نحو الحداثة , بل محاولة لقراءة موضوعية , ما أمكن , و جدية لهذه القضية . أنا أعتقد أنه في الأساس لا يمكن أن يوجد بالفعل أي وجود إنساني دون أن تكون فكرة الحرية جزءا من شغله بل أحد أهم هواجسه . و أعتقد أن حقيقة أننا خرجنا للتو من عصور ظلام كالحة لا يعني أن أسلافنا على هذه الأرض لم يبحثوا عن حريتهم . بل أزعم أن التشكيلات المدينية و القروية و حتى البدوية التي عاشها آباؤنا حتى الأمس القريب قد وفرت درجات متفاوتة من هذه الحرية لأفرادها كشرط ضروري للاجتماع الإنساني . في كتابه مفهوم الحرية يصر عبد الله العروي على أن الحرية ( بل حتى الليبرالية ) لها أصول ما ممتدة في ممارسة مجتمعاتنا التاريخية و على أن طرحها هو نتيجة حاجة داخلية في الأساس . يمكن فهم إذن أن الموضوعات تقصد الليبرالية بالذات كمؤسسات سياسية و قانونية أو كدوغما ظهرت في القرون الأخيرة و ليس عن الحرية كمفهوم أو ممارسة عندما تتحدث عن ذلك الوافد من الغرب , و الذي هو بالفعل نتاج غربي بحت ( أو بالأصح برجوازي بحت ) . لكنني سأزعم هنا أن هذه الليبرالية كمؤسسات و قواعد لإنتاج السلطة هي , كما سائر موضوعات الحداثة أو النهضة , موضوعات نخبوية لا علاقة لها بالناس العاديين . الناس العاديون هم محكومون في الحالتين , و إذا كانت هناك فروق فهي غير محسوسة بالنسبة لهم لأنها في الأساس تخص النخب الاجتماعية و الاقتصادية و حتى الثقافية أي العلاقة بينها ( الفروق مثلا بين أنظمة الملكية و عبد الناصر و السادات و مبارك بالنسبة للمصريين البسطاء هي فقط فروق سفسطائية لا أقل و لا أكثر ) . هذا يصح أيضا على مفهوم الحداثة , فالناس العاديون منفعلون في كل الأحوال و على عكس ما قد نتوهمه من أنهم يفضلون الحياة الحداثية برفاهيتها ( هذه الرفاهية غير متاحة أساسا للجميع , خاصة للطبقات الأكثر فقرا و تهميشا ) فإن عودة التأثير الهائل للمضمون الديني للهوية على هؤلاء الناس العاديين يؤكد أن هذا حكم غير صحيح , و هو يستند إلى رغبات ذاتية أكثر منه واقع موضوعي . ليس هذا تخلفا على مستوى الشارع , فالشارع لا يطلب منه , في كل الأحوال و تحت كل الأنظمة , إلا أن يكون متخلفا , وراء قيادة تجره نحو بر الأمان . إن هذه العودة إلى الدين هي تعبير موضوعي غير واعي عن مصالح هؤلاء الناس العاديين في إطار علاقات السلطة و الإنتاج السائدة .
2 – لم تتطرق الموضوعات لخاصية أساسية و بالغة الأهمية للبرجوازية السورية التي شكلت جزءا من التحالف الطبقي الحاكم بعد الاستقلال و حتى 8 آذار 63 , و معها البرجوازية العربية و العالم ثالثية عموما , و هي جبنها و ترددها و قدرتها على التعايش مع الاستبداد , و أخيرا عجزها , ليس فقط عن إنجاز المهام المفترضة للثورة الديمقراطية البرجوازية ( وفق المنطق و التحليل الماركسي ) بل عن امتلاك مشروع جدي على أي صعيد . لم تمتلك هذه البرجوازيات أي مشروع جدي , لا بعد الاستقلال و لا بعد الانفصال مثلا عندما عادت للمرة الأخيرة لتلعب دور الزعامة السياسية و الاجتماعية . من الطبيعي أنها كانت غير قادرة على اللجوء للناس للدفاع عن ما تسميها الموضوعات بالديمقراطية الدستورية القائمة آنذاك , هذا ضد ليس فقط طبيعتها , بل ضد طبائع الأمور . و هي لن تفعل ذلك أيضا في المستقبل , إن كان من الممكن أن تعود لممارسة ذلك الدور ثانية . و عندما شعرت بالخطر الشيوعي و القومي يتهددها لجأت هي إلى نظام عبد الناصر لاستئصال هذا الخطر بقوة أجهزته الأمنية التي كانت نظيرتها السورية قد خرجت من سيطرتها بعد أن جربت لفترة التحالف مع القوى الإسلامية دون فائدة كبيرة . و حتى برجوازية مخضرمة كالبرجوازية اللبنانية قبلت التعايش مع أجهزة النظام السوري لعقد و نصف من الزمان , أما عنترياتها اللاحقة فكانت نتيجة قراءتها لتغير علاقة النظام بمركز النظام الرأسمالي العالمي و قرب تخلصها ( أو ظهور إمكانية فعلية لتخلصها ) من سطوة أجهزة النظام . في مصر بعد أكثر من ثلاثة عقود على التحول الساداتي نحو سياسات الانفتاح و اللبرلة العميقة و الشاملة لعلاقات الإنتاج ما تزال هذه البرجوازية تلعب برضا دور الكومبارس أمام الحضور الطاغي للبرجوازية البيروقراطية أو المرتبطة بها .
3 – الغريب الآن أن الماركسية تستخدم اليوم لتبرير حتمية و "تقدمية" الرأسمالية , كتبرير لليبرالية و ليس كنقد لها ( على الأقل ليس جذريا ) , و في الحقيقة كانت الماركسية تحمل في داخلها جذور هذه الأفكار و قد جرى تطويرها تدريجيا بحيث أصبحت هي السند الفعلي اليوم لأفكار حتمية الرأسمالية , ليس فقط في مجتمعاتنا بل في العالم الرأسمالي ككل . هذا يعني أن الماركسيين يصبحون جزءا من النظام السائد "الرأسمالي" ليس فقط في مجتمعات المركز بل أيضا في الأطراف , هذا يتيح حتى للماركسيين ليس فقط أن يصبحوا ليبراليين , بل حتى لمن يقول عن نفسه أنه مازال ماركسيا أن يكون من المدافعين عن النظام القائم , ليس بالضرورة في سوريا , أنا أقصد في كل مكان من العالم حيث تسود الرأسمالية بالفعل في كل مكان اليوم , هذا لا يترك الكثير أمام القوى الاجتماعية التي تشكل ضحايا الرأسمالية و التي تزداد كفاحيتها اليوم ضد مستغليها , كما أن نقد الدين كان المدخل لأي نقد في أيام ماركس يصبح نقد الماركسية نفسها شيئا فشيئا ضروريا لنقد البرجوازية نفسها , أو لأي نقد على الإطلاق ( مصطفى خياطي , عن فقر حياة الطالب , 1966 , من منشورات الأممية الموقفية – منظمة يسارية راديكالية لعبت دورا هاما في ثورة 1968 في فرنسا و أوروبا فكريا و تنظيميا ) .
4 – عن الاقتصاد السوري : لا أعتقد أن أزمة الاقتصاد السوري هي نتيجة مباشرة لوضع سياسي سلطوي شمولي , إن هذا تبسيط إرادوي تفرض فيه الرغبة الذاتية على الواقع الموضوعي , الحقيقة أننا أمام شكل خاص من أزمة رأسمالية الدولة ( و التي يمكن وصفها لدرجة كبيرة بالتابعة أيضا ) , تشكل جزءا من الكل , أي من أزمة الرأسمالية العالمية . في كتابه عن الليبرالية الجديدة ( الذي ترجمته و نشرته مكتبة العبيكان قبل عامين ) يؤكد ديفيد هارفي أنه لا تعارض في الواقع بين الاستبداد السياسي و التوجهات النيوليبرالية و هو يأتي بأمثلة الصين و كوريا الجنوبية و غيرها . إن تطوير اقتصاد إنتاجي قوي لا علاقة مباشرة له ببنية النظام السياسي , ففي الصين اليوم نظام سياسي استبدادي بل و شمولي , ربما يفوق النظام السوري مثلا , لكن وضع الاقتصاد الصيني باهر جدا اليوم , حتى في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية . و الفساد ينتشر بذات الدرجة الموجودة في سوريا في دول تعتمد بنية سياسية أكثر ليبرالية من النظام السوري كالعراق و مصر و الأردن . إن البنية الشمولية للنظام تفاقم الأزمة لكنها ليست السبب الفعلي وراءها . إن الأزمة القائمة هي تعبير عن أزمة رأسمالية الدولة البيروقراطية التي كنا قد تابعناها بتتالي أحداثها في الاتحاد السوفييتي و دول أوروبا الشرقية . لوهلة قد يبدو أن لبرلة شاملة لعلاقات الإنتاج و خاصة لعلاقات الملكية باتجاه القضاء على ملكية قطاع الدولة لصالح ملكيات خاصة , كما جرى في روسيا و دول أوروبا الشرقية و كما يجري اليوم في سوريا أيضا , هو حل لأزمة التراكم الرأسمالي التي تعاني منها رأسمالية الدولة البيروقراطية التي لن تبقى بالمناسبة كما كانت في الأمس و ستكتسب طابعا أكثر ليبرالية , على الأقل على الصعيد الاقتصادي . لكن كل هذا في الحقيقة هو إعادة إنتاج للأزمة على الصعيد الاقتصادي و لو أنه على صعيد إعادة إنتاج شرعية النظام السياسي ( الذي تبقى البيروقراطية في مركزه ) ينجح و لو نسبيا في إعادة إنتاج هذه الشرعية كنا جرى في روسيا و أوروبا الشرقية . في سوريا الموضوع يختلف . فغرض النظام من سياساته النيوليبرالية هو أن يجني فوائدها الاقتصادية , تماما كما يفعل النظام الصيني اليوم دون أن يغامر بتغيير أساس شرعيته . لكن إذا استثنينا نجاحه في إشاعة ثقافة استهلاكية كدفاع وقائي ضد أية تصاعد في الصراعات الاجتماعية , كما يؤكد هارفي في كتابه عن الليبرالية الجديدة , فإن هذه السياسات تخلق من المشاكل أضعاف ما تحل . لا يمكن حل الأزمة الاقتصادية بالتالي فقط بتغيير البنية السياسية للنظام , إنها تتطلب تغييرا عميقا في علاقات الإنتاج و الملكية السائدة , على التوازي مع تغيير جذري في علاقات السلطة و إنتاجها بين السوريين .
5 – علاقات الإنتاج في سوريا : الحقيقة أن علاقات الإنتاج اليوم في سوريا هي علاقات إنتاج رأسمالية , و لا يمكن بالتالي الحديث عن رسملتها , المتاح اليوم هو الحديث عن أية فئة من البرجوازية يجب أن تحكم . يقول كورنيليوس كاستورياديس في كراسه "دور الإيديولوجيا البلشفية في ولادة البيروقراطية" ( 1962 , من موقع أرشيف الماركسيين على الانترنيت ) أنه عندما تكون البرجوازية و الطبقات العاملة ضعيفة للحد الذي يمنعها من القيام بثورة ديمقراطية أو حتى بتحديث المجتمع فإن البيروقراطية هي من ستقوم بهذه المهمة . لقد أنجزت هذه البيروقراطية ( الناصرية أولا ثم البعثية ) عملية القضاء على العلاقات الإقطاعية و رسملة علاقات الإنتاج . و لو أن هذا يترك المجال مفتوحا أمام نقاش قضية أخرى , أي احتمال وصول فئات برجوازية خارج البيروقراطية الحاكمة إلى السلطة . إننا نعيش في مجتمع رأسمالي في عالم رأسمالي , نعيش في مجتمع مأزوم في عالم مأزوم , هذه هي الحقيقة . هذه الحقيقة قد تصدم من يعتبر الرأسمالية هي الحل ( على وزن الإسلام هو الحل ) لكنها حقيقة لا جدال فيها .
6 – سوريا ؟ تركز الموضوعات , كما خطاب الحزب عموما على سوريا ككيان مستقل قائم بذاته , إن لم تكن تحاول أن تتحدث , صراحة أو ضمنا على الأغلب , عن هوية سورية , تتعارض مع الهويات التي تعتبر شمولية أو معادية للديمقراطية , أيضا ضمنا على الأغلب : القومية ( العربية تحديدا ) , و الهوية الدينية ( الإسلامية خاصة ) . القضية أن سوريا هي في النهاية كائن سياسي حديث , أعني بالشكل الحالي , و أن مبرر قيامها لم يكن هوية محلية جامعة في معارضة الجوار العربي و الكردي و الإسلامي , و لم تقم أيضا على أساس رغبة سكانها , بما في ذلك النخب الفكرية أو حتى الاجتماعية و السياسية . سوريا ككل دول المنطقة قامت على أساس إرادة و تحديد موظفين من الدرجة الأولى أو الثانية في وزارات خارجية الدول الاستعمارية . و هي اليوم تستمر كيان سياسي فقط لأنها جزء من حالة النظام العالمي الذي وضعه و يرعاه المركز الغربي الرأسمالي . و لأن الدول القائمة تفتقر إلى هوية مؤثرة بوزن الهوية القومية أو الأثنية أو الدينية فإنها تعمل على تحويل الخطابات الإسلامية أو القومية إلى خطابات قطرية , هذا لا يعني إنكار احتمال وجود , أو قيام , هويات لا تقوم على الارتباط الديني أو الإثني أو القومي , بل إنني قد أعتبر أن هناك حاجة لهويات أكثر تعبيرا عن الواقع و أكثر إنسانية و لو أن هذا لا يمكن أن يعني مرة أخرى محاولة كبت التعبير عن كل الهويات الإنسانية الموجودة بالفعل بما يعني فرض إرادة ما على البشر و على الواقع , لكن أي هوية إنسانية تتجاوز هذه الأسس للهوية لا يمكن أيضا حصرها في بقعة مكانية بما يتناقض مع جوهرها الإنساني . و لهذا الوضع بالذات فإن الهوية الفعلية لهذه الدول هي نظامها القائم بالفعل . لا يمكن تعريفها على نحو آخر . هذا تماما كالموقف من الحداثة موقف نخبوي و سياسيوي بحت . مركزية الهوية السورية لا تعني السوريين العاديين إلا باشتراطاتها الواقعية أي حاجتهم للتعامل مع واقع سياسي قانوني قائم هو الدولة السورية , و هو لا يحمل أي طابع تقدمي بالنسبة لمسألة حريتهم , و حتى لا معنى له بالكامل بالنسبة لمسألة حريتهم . هذه ضرورة نخبوية و سلطوية في نفس الوقت تفرضها ضرورة التعامل مع مراكز النظام الرأسمالي المهيمن , بالنسبة للسوريين العاديين فإن الحرية تعني شيئا مختلفا بالضرورة , لا يمكن مرة أخرى قمعها من أعلى حتى و لو لم تكن تريدها أو تفضلها .
7 – عن أية ديمقراطية يدور الكلام : تبدو الديمقراطية التي تتحدث عنها الموضوعات شيئا معلقا في الهواء , كلام جيد لكنه يبدو أشبه بكلام عن الجنة ( و لو أنه يعترف صراحة لا ضمنا أنه ليس بجنة فعلية لأنه يدرك أنه يتحدث في النهاية عن ديمقراطية السادة و العبيد , ديمقراطية البرجوازية و العمل المأجور ) لا عن دنيانا هذه . خاصة بالنسبة لشيوعيين سابقين لا بد أن يبحثوا عن رافعة اجتماعية لمشروعهم . إن هذه الديمقراطية المعلقة بالهواء لا تعني أكثر من عبادة الصدفة , أن تترك القوانين الموضوعية تعمل "بحرية" , و التي هي طبعا قوانين السوق و التسليع أساسا , و بالتالي فهي تعني أكثر من عبادة الصدفة , إنها عبادة النظام القائم , نظام الإنتاج و علاقات الملكية القائمة , إنها تعني تحويل الناس إلى عبيد لهذه العلاقات , أن نجعل هذه العلاقات خارج نطاق تأثيرهم أو قدرتهم على تغييرها . إن رفض التدخل في فعل قوانين السوق الرأسمالية لا يؤدي فقط إلى رفض قيام قوة فوقية شمولية , بل يعني أيضا إلغاء أية قدرة للناس في تغيير علاقاتهم بين بعضهم و مع السلطة القائمة التي تكون وظيفتها الأساسية حماية علاقات الإنتاج القائمة من أي تغيير , هذه هي بالضبط عبودية العمل المأجور المفروضة على الملايين و التي تقوم على قاعدة بسيطة جدا : ألا يكون بمقدورهم تغيير النظام القائم . مرة واحدة فقط , عندما تتحدث الموضوعات عن القوة التي يمكنها أن تحول دون عودة الاستبداد يجري الحديث عن الشعب , ربما كانت إحدى المرات القليلة التي استخدم فيها تعبير الشعب في هذه الموضوعات , على أنه القوة صاحبة المصلحة في هذه الديمقراطية , على أنه حامي الديمقراطية . مرة أخرى يفترض من ضحايا الوضع القائم , كما كانت الستالينية و القومية تقول من قبل , أن يدافعوا عن هذا الوضع الذي يهمشهم و يقهرهم و يقمعهم بالضرورة . إنني أقول هذا فقط على أمل ألا نضيف الدولة الحديثة و المجتمع المدني و ما إلى ذلك بعد عقود أو ربما عدة سنوات فقط إلى القائمة التي أخذت تطول اليوم من تلك الأفكار الشمولية التي تحدثت عنها الموضوعات و التي نحاول اليوم ليس فقط نقدها بل و حتى دفنها

مازن كم الماز

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات