بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
أخناتون أول الموحدين في التاريخ
  26/10/2010

 أخناتون أول الموحدين في التاريخ


 نبيه السعدي /السويداء

"بينما كنت أستعيد جانبا من ثقافة الماضي، متصفحا الأعداد الأولى من مجلة الأمالي، الصادرة في بيروت، لفتت انتباهي مقالة بعنوان: أخناتون أول الرفضيين والموحدين، للأستاذ محمد أمين حسونة. صدرت المقالة في العدد الثاني للسنة الأولى من مجلة الأمالي، بتاريخ 14 رجب 1357 للهجرة، الموافق 9/9/1936م؛ أي منذ أكثر من سبعين سنة مضت.
وقد صرح الكاتب بأنه كان ينعم آنئذ؛ .
قلت في نفسي: أليس أحرى بنا كموحدين، أن نعرف شيئا عن أول موحِّد بين البشر، ذكره التاريخ؟! وتساءلت عن عدد الذين يعرفون في عصرنا الكثير أو القليل عن أول الموحدين؟! كم منهم يعرف أن التوحيد كعلم جذوره ممتدة في أعماق التاريخ، حتى أن وجوده قد تزامن مع وجود الإنسان! فالتوحيد كعلم لاهوتي سبق وجوده على التوحيد كمذهب بآلاف بل ربما بملايين السنين.
في بداية القرن العشرين، كشفت الحفريات في منطقة وادي الملوك، في مصر، عن ، كما يصفها الأستاذ حسونة، . كما أدت الحفريات إلى اكتشاف عاصمة هذا الملك، في تل العمارنة، التي عُرفت باسم "أخيتاتون"؛ أي أفق الشمس.
وبدأت أشعة المعلومات المنبعثة من القراءات الأثرية، تتكاثف شيئا فشيئا، حتى تحولت إلى أضواء كاشفة، تحدد حياة هذا الملك المغمور.
كانت الكهانة حرفة، يقوم بها أناس احتكروا معظم العلوم؛ من طب وهندسة ورياضيات وفلك.. وقاموا بترميزها بلغات لا يعرفها غيرهم، حتى يبعدوها عن العامة، وتبقى حكرا عليهم وحدهم. ولا عجب إذن أن تكون طبقة الكهان من أغنى طبقات المجتمع المصري، ولا عجب أيضا أن تغصّ المعابد الفرعونية بعشرات آلاف السراري من أجمل الفتيات، يمارس الكهنة معهن العهر المقدس.
الألهة عند المصريين:
لم يكن لشعب من الشعوب آلهة بعدد آلهة المصريين القدماء، وهي متنوعة لدرجة أنك ترى صورها على جدران الهياكل والقبور والقصور، فتحسب أنك أمام معرض لصور معظم الحيوانات، ومعظم النباتات، ومعظم مظاهر الطبيعة. لقد اعتقد قدماء المصريين، أن الخلق كان من تزاوج البقرة؛ "سيبو"، التي تمثل السماء، مع الأرض "نويت"، ومنهما انحدرت جميع المخلوقات.
ارتكزت عبادة الآلهة المتعددة عند المصريين القدماء على ركائز ثلاثة تقريبا، فمنها من قامت عبادته خوفا، مثل إله الشمس "رع"، ومنها من أقيمت عبادته حبا ومودة، مثل أم الآلهة "إيزيس"، وأكثرها جرت عبادته اعترافا بفائدته وفضله على الحياة والبشر، كإله الجنس العجل المقدس "أوزير". وقد راوحت النظرية الدينية المصرية القديمة بين الطوطمية في أدنى درجاتها، وبين علم اللاهوت في درجاتها العليا.
اعتقد المصريون بالخلود، وكان ذلك سببا لحفظ أجساد الموتى، حتى تعود إليها الحياة فيما بعد. آمنوا بأن الجسم تسكنه صورة أخرى هي القرينة؛ "كا"، كما تسكنه روح، تقيم فيه إقامة الطائر، الذي يرفرف بين الأشجار. وهذه الثلاثة؛ الجسم والقرينة والروح، تبقى بعد الموت، ويمكن أن تعود إلى الحياة، إذا بقي الجسم سليما.
كان الكهنة المصريون نظيفي الأجسام، لكن طواياهم لم تكن كذلك. فقد وصفهم المؤرخ اليوناني "هيرودوت"، بأنهم .
تعاليم الدين قبل أخناتون:
فرغت التعاليم الدينية في الديانة المصرية من التوجه الأخلاقي، إلا فيما ندر، واقتصرت على الأدعية والرقى. فلكل معضلة دعاء ورقية تقصيانها، ولكل مريض بداء عضال أدعية ورقى، تعمل على شفائه.
ولا عجب! فالحال من هذا الجانب لم يتغير كثيرا، حتى في عصرنا الحاضر وبعد ثلاثة آلاف سنة من "أخناتون". حيث ما زال الناس يؤمنون بالأدعية الشافية، مشفوعة برقية على شكل حجاب، مخطوط بقلم أو بعلم شيخ أو رجل دين، اتخذ من الشعوذة واسطة إلى عقول الغافلين، وركب الدين وسيلة للاسترزاق من خلق الله البسطاء والجاهلين.
وكما هو معتاد، فلقد استغل كهنة مصر مصير الناس في آخرتهم، ولفقوا حلولا وطقوسا، وجب على كل إنسان التقيد بها، حتى يتمكن من دخول جنة الخلود، وربطوها بهم وحدهم، كي يتقاضوا لقاءها أثمانا باهضة.
كان "كتاب الموتى" هو المخلص من العذاب، ومن أراد ذلك فليدفع ثمنه للكاهن، وليأمن بعد ذلك من مخاطر الموت وعذاب "أوزير". إنه يضمن له الخلاص، عندما ينطق بكل دعاء في مكانه، فيفوز في نهاية الأمر بالغفران، ويستجيب الإله لدعاء روحه:
ليتنا بعد نزول الديانات التوحيدية الثلاث، نسنطيع العمل بهذا الدعاء، ونتمكن من ترديده بمثل هذا الإحساس الصادق، والعاطفة المفعمة بالخشوع والإخلاص!

أخناتون:
حصل في مصر ما حصل في غيرها، حين استولى الملوك على قدسية وصلاحية الآلهة، فتحول الإله إلى إنسان حاكم، أو تحول الإنسان إلى إله مقدس.
توفي "امنحوتب الثالث"، وتولى بعده ولده "امنحوتب الرابع"، في العام 1380 ق.م، فهو أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة، التي تولت عرش مصر في عام 1580 ق.م؛ أي نحو ثلاثة عشر قرنا بعد بناء الهرم الأكبر، هرم الملك "خوفو".
كان عمر الملك الشاب حوالي إحدى عشرة سنة آنذاك؛ أي بعمر الحاكم بأمر الله الفاطمي (ع) تقريبا، عندما تولى عرش مصر، بعد وفاة أبيه العزيز بالله (ع)، في عام 386 للهجرة.
كان الملك الشاب في حياته الخاصة مثالا للطهارة والأمانة، ولم يعجبه ما كان عليه أمر الدين، الذي أصبح ألعوبة وسلعة في أيدي الكهنة المنتهزين. وما لبث هذا الملك أن أبدل اسمه إلى "أخناتون"؛ أي حبيب الشمس، وقام بثورة دينية إنقلابية على كل ما سبق، ألغى بنتيجتها عبادة آلاف الآلهة، وحارب الوثنية، وحطم الأصنام والتماثيل، كما فعل بعده بنحو ألفي عام الرسول العربي "محمد بن عبد الله" (ص)، في عام الفتح، عندما أدخل الفكر الإسلامي المحمدي إلى كعبة مكة، وهدم كل ما فيها من أصنام. لكن فكرة الدين الجديد اختلفت دوافعها عند "أخناتون"، الذي نبذ فكرة الحروب، حتى أدى به الأمر إلى تسريح جيشه. بينما شكل الدين الجديد عند محمد (ص) دافعا لفتح العالم، ونشر الدعوة الإسلامية.
اتخذ "أخناتون" من الشمس "أتون" دليلا على إلهه، باعتباره "الروح الأولية التي لا تتخذ لها شكلا معينا، بل هو منبت الذكاء، ومصدر القوة المنتشرة في كل زمان ومكان، وأب الإنسانية الخالد، الدائم الوجود، الظاهر أمام العيون بشكل نور الشمس وحرارتها. إذن لم يكن هذا الإله هو الشمس ذاتها كما يفهم ذلك بعض المؤرخين المعاصرين، بل روح الشمس، وبعبارة أدق ما وراء الشمس من القوة الإلهية التي تبسط أشعتها على العالم..".
قام الملك الشاب بإصلاحاته الدينية الداخلية طوال مدة حكمه، التي امتدت تسعة عشر عاما، وكان أقرب إلى الشاعر الفيلسوف منه إلى الملك القائد. فقد أتقن التعمق والغوص في الفكر العرفاني، ولم يعرف شيئا عن التخطيط العسكري والقيادة الميدانية. دلت على شاعريته الصوفية المبدعة والرائعة قصيدته "الشمس"، التي نظمها مديحا وتعطفا لإلهه "أتون"، قبل أن تعرف البشرية الشعر الصوفي. وهذه مقاطع منها:
"ما اجمل مطلعك في الأفق الشرقي!
أي اتون الحي.. مبدا الحياة..
ومهما ارتفعت فان اشعتك تغمر الارض
ومهما علوت فان اثار قدميك هي النهار..
واذا ما غربت في افق السماء الغربي
خيم على الارض ظلام كالموت..
يا خالق الجرثومة في المرأة
ويا صانع النطفة في الرجل..
أنت وحدك تسطع في صورة أتون الحي"..
ليست هذه القصيدة من اولى قصائد التاريخ الكبرى فحسب، بل هي فوق ذلك اول شرح بليغ لعقيدة التوحيد. فقد قيلت قبل أن يجيء "اشعيا" يسبعمئة عام.. وهي شديدة الشبه بالمزمور الرابع بعد المئة للنبي "اشعيا"...
وفي عام 1362 ق.م توفي "أخناتون" شابا، عن عمر يناهز الثلاثين، ولم يخلف ولدا ذكرا، بل تولى بعده زوج ابنته "توت عنخ أتون"، الذي سرعان ما عاد إلى الحظيرة، فأصبح اسمه "توت عنخ أمون"..
مات الموحد الأول غير مكرّم في أهله وبين ذويه، كما هي عادة الأنبياء.. مات مارقا من الدين، بشرع الأكثرية المقادة بطغمة الكهنة المنتفعين.. مات كافرا بشريعة الأوغاد المنتهزين.. لكنه رغم انعدام تأثيره في واقعه وموطنه، ترك أثرا واضحا في كل ما بعده، وقدم للفكر الديني والحضارة الإنسانية، ما لم يخف أثره على كل الديانات والمذاهب الدينية التي جاءت فيما بعد. وقد اعترف معظم الباحثين والعلماء، وعلى رأسهم عالم النفس المعروف "سيجموند فرويد"، في كتابه "موسى والتوحيد"، بأن موسى (ع) كان من أتباع الديانة الأخناتونية..


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات