بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
بعد ثلاث سنوات من الثورة في سورية… من أجل إعادة نظر شاملة
  18/04/2014

 بعد ثلاث سنوات من الثورة في سورية… من أجل إعادة نظر شاملة


سلامة كيلة: مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي

فوضى وأسلمة وعسكرة واستعصاء

إلى الآن، الثورة السورية هي أطول ثورة منذ بدء الموجة الثورية في 17/12/2010 في تونس، ولازالت مستمرة دون مقدرة على تحديد نهاية لها، على الأقل كما حدث في البلدان الأخرى من إزاحة للرئيس وحاشيته، وفتح أفق لتغيير ما. ما هو مطروح هو الحل السياسي في جنيف2، الذي يبدو متعثراً إلى الآن، بالضبط نتيجة أن نجاحه يتوقف على إبعاد بشار الأسد وحاشيته بينما هو من يشارك في المؤتمر، ويسعى لإفشاله، لأن نجاحه يعني رحيله بالتحديد.
منذ البدء كان واضحاً بأن الثورة لن تحقق انتصاراً أولياً إلا من خلال إحداث كسر في بنية السلطة يفتح على إبعاد الأسد وتحقيق انفراجة ديمقراطية. فالثورة السورية، ككل الثورات في البلدان العربية، عفوية، دون أحزاب لديها رؤية عن الثورات وكيفية تطويرها لكي تسقط النظام. هذا الشعار الذي رفعه الشعب، والذي كان زخم الثورات يسمح به، لكن فعل التنظيم كان غائباً. وهو الأمر الذي كان يستدعي تدخل الجيش كي يزاح الرئيس انطلاقاً من أن ذلك يعني إسقاط النظام. في سورية كان الوضع أكثر تعقيداً في هذه المسألة نتيجة البنية التي أوجدها حافظ الأسد، والتي كانت تؤسس لدولة بوليسية متعددة الأجهزة، وجيشاً خاضعاً للسيطرة الأمنية، ومعيّن في مفاصله ضباط شديدو الولاء، ومن بيئة الرئيس ذاته. لهذا كان كسر السلطة يحتاج إلى “تكتيك” نبيه، وسياسة تقوم على إدماج البيئة التي تشكل السلطة منها “قوتها الصلبة” كي يصبح ممكناً إيجاد الكسر الضروري في السلطة. بمعنى أن ما كان عفوياً و”طبيعياً” في ثورات تونس ومصر كان بحاجة إلى جهد ووعي في الثورة السورية. وهذا ما لم يحدث، على العكس حدث ما يساعد السلطة على تشديد تماسك “الأقليات” (خصوصاً العلويين) خلفها.
وبهذا إذا لم تكن السلطة قد نجحت في إنقاذ ذاتها فقد نجحت في خلق الاستعصاء الذي نعيشه الآن، والذي لا يسمح بتوقع انتصار الثورة رغم تهلهل قوة السلطة، واعتمادها على “قوى خارجية” (إيران وحزب الله وعصائب أهل الحق الطائفية العراقية، وعلى الدعم العسكري الروسي). وهذا الأمر يمكن أن يقود إلى انهيار السلطة، لكن البديل الآن هو الفوضي، وتقاتل الجبهات المسلحة. وهو الأمر الذي يفرض بناء إستراتيجية جديدة تكون بديلاً عن “الحل السياسي” في حال فشله، واستمراراً للثورة في كل الأحوال.
خطاب السلطة ومصيدتها
ما كررته السلطة منذ البدء هو أن ما يجري هو من فعل “عصابات مسلحة”، ومن “إرهابيين سلفيين”، وأن ما يجري هو حراك يقوم به الإخوان المسلمون، وتنظيم القاعدة. ومن ثم أن المستهدف هم “الأقليات” و”الدولة العلمانية”. وأن الأمر يتعلق بعنف مسلح ضد الدولة وليس شعب يتظاهر من أجل مطالب. وسنلمس اليوم بأن السلطة نجحت في أن يصبح ما قالت به أمراً واقعاً، وإن كان ذلك لن يتيح لها إنقاذ ذاتها. ما نجحت به هو إبقاء “البيئة الاجتماعية” التي أسست قوتها منها خائفة، وتدافع عنها، حتى دون قناعة، خشية الخوف القادم من التغيير الذي تريده قوى أصولية طائفية تريد الانتقام.
هذه هي العقدة التي أفضت إلى الاستعصاء والتي تحتاج إلى وقفة حاسمة بعد ثلاث سنوات من الثورة، لأن حلها هو المدخل لتغيير الوضع بفتح أفق جديد للثورة. ويمكن هنا أن نشير إلى “المصالح” التي كانت توصل إلى هذه النتيجة. وهي مصالح فئات معارضة وقوى إقليمية ودولية، كان لكل منها حساباته وأوهامه. بينما كان الشباب الذي حرّك الشارع في الأشهر الأولى واعياً لخطر الانجرار للأصولية والصراع الطائفي، وإن كان لم يستطع تقديم خطاب يجذب تلك “الأقليات”، التي كان على انخراطها في الثورة يتوقف مصيرها كله، بالضبط لأن ذلك هو ما كان سيفرض شق السلطة وفتح أفق للتغيير. فقد عمل طيف معارض وقوى إقليمية ودولية على تحويل “خطاب” السلطة ضد الثورة إلى “حقيقة”، لهذا أخذت الثورة تظهر وكأن الأمر يتعلق بصراع قوى أصولية وتكفيرية مسلحة ضد السلطة. وفي هذه المعادلة كانت السلطة هي الرابحة، لأنها شدت خلفها “الأقليات”، وأعطت مبرراً لكل القوى الدولية، واخطر للشعوب في العالم كي تقف موقف اللا مبالاة من الثورة.
بالتالي إذا كانت تريد السلطة إظهار الثورة كحراك سلفي “إسلامي” لأن ذلك يخدم تماسكها، فقد عملت أطراف في المعارضة بدت أنها هي التي تمثل الثورة (المجلس الوطني، وبضمنه الإخوان المسلمين، وأطراف في إعلان دمشق، والعديد من “السياسيين”) على التأكيد بأن الثورة إسلامية وضد “نظام علوي”. وفي هذا الشحن الطائفي المتبادل كانت تدفع للتسلح. ولا شك في أن نجاح التسلح لم يعتمد على دعواتها بل على وحشية السلطة التي فرضت المواجهة العسكرية، لكنه كان يحمل أخطاراً كبيرة نتيجة غياب “الضابط” السياسي، على العكس وبوجود تحريض طائفي متبادل ودعم مالي مؤثر. هنا نلمس أن السلطة التي لا تمت للطائفية بصلة نتيجة مصالحها تتمسك بمنطق “طائفي” لكي تحافظ على “القوة الصلبة” التي تحميها، وأن أطراف في المعارضة لكي تصبح هي البديل دفعت بأن ينتصر “الخطاب الطائفي” الذي زرعته السلطة، فهي في هذه الوضعية فقط تستطيع ان تسيطر على الثورة كما اعتقدت. ولقد ساعدتها القوى الإقليمية، والإعلام الذي عمل جاهداً على “أسلمة” الثورة، حتى الإعلام الغربي كان يميل إلى “التصديق السريع” لهذا الخطاب، وعمل على تعميم فكرة أن ما يجري هو “حرب أهلية” (أي طائفية) حتى قبل أن يصبح للقوى الأصولية قوة.
ما سمح بتحقيق ذلك واقعياً هو أن السلطة ركزت كل مجهودها لكي تدمر كل النخب المنخرطة في الثورة، بدءاً من التنسيقيات التي شكلها شباب لديه، وإن قدر بسيط من الوعي والفهم والهدف، وكل الناشطين الإعلاميين والأطباء، الأمر الذي سمح لشباب أكثر بساطة يصبح هو الفاعل. وهذا ما كان ينعكس ضعفاً في الشعارات والنشاط، والخضوع أكثر لتأثير الحاجة، التي باتت كبيرة بعد أن أصبحت الثورة، في الغالب، محكومة للسلاح. وعلى ضوء الموت الوحشي الذي تمارسه السلطة، والذي جعل الصراع ينتقل إلى شكله الغريزي.
في هذا الوضع ضاعت أهداف الثورة، رغم أن “الهدف” ظل هو إسقاط النظام، لكن كان واضحاً منذ البدء بأن إسقاط النظام يهدف إلى تحقيق الحرية ومطالب الشعب المفقر، ومن ثم بناء الدولة المدنية، لكن تلاشى كل ذلك إزاء وحشية السلطة وتصاعد الصراع المسلح لكي يبتسر الأمر إلى “إسقاط النظام”. وهو الأمر الذي فتح على تسرّب كل الأوهام التي باتت تحكم قطاعات من الذين يحملون السلاح، وخصوصاً هنا طرح هدف “دولة الإسلام”، أو حتى تطبيق ذلك واقعياً كما فعلت جبهة النصرة ثم داعش. وهو الهدف الذي باتت تطالب به كل الكتائب الإسلامية (جيش الإسلام، وأحرار الشام، ولواء التوحيد وغيرها). ولأن الهدف بات هو إسقاط النظام فقط وجدت هذه التيارات أرضية لها، وحتى موافقة من قطاع مهم من المعارضين انطلاقاً من أن المهم هو إسقاط النظام، وأنه يكفي “مساعدتها” للثورة من أجل ذلك، هذا قبل أن ينكشف أمر داعش التي باتت قوة قمع للشعب في المناطق التي هي خارج سيطرة السلطة، وأيضاً دون الانتباه لدور القوى الأصولية الأخرى، من جبهة النصرة إلى جيش الإسلام والجبهة الإسلامية، التي تمارس الدور ذاته في مناطق سيطرتها.

بهذا بدا ما كانت تقوله السلطة منذ البدء “واقعاً”. وأصبح الأمر، كما يجري التداول في الإعلام، هو صراع مسلح بين السلطة وقوى متطرفة. فهذه الصورة التي أخذت في التبلور بعد عام ونصف من الثورة باتت تغطي على الشعب، وعلى الثورة، وأصبحت هي المعبّر عن الصراع القائم بديلاً عن الواقع الذي يقول بأن الأمر يتعلق بشعب يخوض ثورة من أجل إسقاط النظام لتحقيق الحرية والعدالة. لقد “اختفت” الثورة (أو أخفيت) لمصلحة صراع مسلح بين قوى السلطة وقوى متطرفة، وبدخل إقليمي ودولي عالي المستوى. وهو الأمر الذي سمح للسلطة بأن تمارس كل أنواع الوحشية والهمجية دون أن تسمح نقداً، أو يحرّك كل ذلك شعوب العالم. فالسلطة تمارس كل ما يمكن أن يوصف بأنه جرائم ضد الإنسانية، وتوغل في الإبادة الجماعية، بكل أنواع الأسلحة المحرمة وغير المحرمة، تحت كاميرات العالم، دون أن تلقى ما يناسب الأمر من رد فعل. وإذا كانت الدول الإقليمية والدولية المتدخلة لا تأبه للقتل والتدمير لأنها تريد أن تكون الثورة السورية هي مقبرة الصيرورة الثورية التي بدأت في تونس، فإن الأمر المذهل يتعلق بالشعوب، وأسوأ بما يسمى اليسار العالمي.
هذا الوضع يفرض إعادة بناء الرؤية، وتحديد الهداف. وبالتالي التفكير الجدي في إعادة بناء الثورة كثورة شعب يريد إسقاط النظام من أجل الحرية والعدالة.
الواقع والأهداف وكيف تنتصر؟
سعت السلطة لأن تضمن تماسك “بنيتها الصلبة” من خلال ضمان خوف “الأقليات”، خصوصاً هنا العلويين، لكي تستطيع سحق الثورة. لهذا أصرّت منذ البدء على خطاب يركز على أن الثورة هي حراك سلفي أصولي، ونشاط الإخوان المسلمين، ولم يكن لديها غير هذا الخطاب لتخويف الأقليات والعلمانيين. وساعدتها الأوضاع الإقليمية والدولية على ذلك، بما في ذلك بعض أطراف المعارضة التي كانت تعتمد على التدخل الإمبريالي لإسقاط السلطة، وبالتالي فرحت في الخطاب الذي يجعل الثورة إسلامية الطابع.
هذا ما فرض الاستعصاء، حيث كان يجب أن تتفكك السلطة لكي تحقق الثورة خطوتها الأولى في إزاحة بشار الأسد وحاشيته. وخصوصاً أن الثورة ظلت عفوية، وقادها شباب لم يعرف السياسة أو الحرب، بعد أن همّشت المعارضة دورها فيها، وعملت السلطة على تصفية كل الناشطين الذين يمتلكون قدراً من الوعي.
الآن، بعد ثلاث سنوات من الثورة، البطولية، التي واجهت وحشية سلطة مافياوية لم يعنيها تدمير المدن وقتل الشعب، لا بد من أن يعاد البحث في كيفية تطورها بشكل يخدم انتصارها. وهو الأمر الذي يفرض معالجة جملة مشكلات، وأولها تجاوز الانقسام الذي أوجدته السلطة في صفوف الشعب، بين ما يسمى “الأغلبية”، و”الأقليات”. فهذه لم تكن أقل نقمة على السلطة، ولا كان وضعها المعيشي أفضل (بل أن الساحل كان يعتبر من أفقر مناطق سورية)، رغم استفادة فئات منها من متنفذين في السلطة، أو استخدام السلطة لفئات مفقرة منها (نتيجة الحاجة) لكي تكون هي “البنية الصلبة” التي تدافع عنها. بالتالي لا بد من أن يعود التأكيد على أن الثورة هي ثورة الشعب، وأن الاستبداد والإفقار كان يطال الشعب في مناطقه المختلفة. وهو الأمر الذي يفرض إعادة تحديد الأهداف التي يسعى الشعب عبر الثورة من أجل تحقيقها، فالمسألة هنا لا تتعلق بإسقاط النظام بمعنى تغيير الأشخاص بل تتعلق بتحقيق جملة أهداف يكون تحقيقها مدخلاً لحل مشكلات الشعب، المتعددة والمختلفة.
هذا يعيد إلى تحديد هدف الثورة، الذي جرى ابتساره إلى إسقاط النظام، والذي يمثل إسقاط النظام المدخل لتحقيق هذه الأهداف. فما هي الأهداف التي تفرضها المشكلات التي جعلت الشعب يتحرك من أجل إسقاط النظام؟
بالطبع يكون الهدف من التمرد على نظام استبدادي هو الانتقال إلى دولة مدنية (بمعنى علمانية) ديمقراطية. وهو الهدف الذي راود النخب وقطاع من الفئات الوسطى التي كانت تريد التعبير عن ذاتها، والإحساس بأنها كيان سياسي. أي كيان له رأي وفاعلية. لكن هل يمكن أن نتجاهل بأن أغلبية الشعب، نتيجة الاستبداد الطويل الذي ألغى السياسة في المجتمع ودمر الثقافة عبر تخريب التعليم وزيادة الأمية، لا تعرف السياسة؟ وبالتالي لا تعرف معنى الحرية والديمقراطية؟ إذن، لماذا ثارت؟ هنا يجب أن نلمس مشكلات الشعب، الطبقات الشعبية المفقرة، التي بات جزء كبير منها عاطلاً عن العمل، ومن يعمل لا يكفي الأجر تحقيق أي حد أدنى من المعيشة اللائقة، والعجز عن التعليم والصحة، وتوفير مسكن.
أغلبية الشعب (تقريباً 60%) تعيش في هذه الوضعية، و20% تعيش في وضعية قلقة نتيجة ارتفاع الأسعار وانهيار قيمة الأجر. بعد أن سيطرت أقلية ضئيلة على الثروة، واستفادت فئات أخرى من النمط الاقتصادي الذي تشكل كاقتصاد ريعي مافياوي. هل هذا السبب كافٍ لكي يثور هؤلاء؟ أو أن “الفكرة المجردة للحرية” هي التي دفعتهم إلى ذلك؟ بالتأكيد إن وضعهم هو الذي فرض ثورتهم رغماً عن أوهام النخب التي أرادت ان “تسرق” الثورة فتقلصها إلى تحقيق مطمحها هي فقط، أو توهمت أن مطلبها هو مطلب الشعب بأسره نتيجة نرجسية تعيشها.
لقد ساعد الخطاب الذي حصر الثورة في: الحرية، على عدم المقدرة على تحريك قطاعات شعبية هي مفقرة وتريد التغيير (هنا العلويون خصوصاً)، وعلى العكس سهّل انجرافهم خلف السلطة خوفاً من أن يكون هدف الحرية مدخلاً لتغيير السلطة لمصلحة الإخوان المسلمين والقوى الأصولية (التي ستأتي لكي تنتقم مما حدث سنة 1980/ 1982). هذا من طرف، ومن طرف آخر فتح الأفق لكي تكون “الدولة الإسلامية” هي البديل عن “الدولة الديمقراطية”، وأصبح سهلاً الانتقال من هذا إلى ذاك ما دام الأمر يتعلق بشكل السلطة فقط. خصوصاً أن الشعار الأول الذي طرحته نخب “شبابية” هو “ألله، سورية، حرية وبس”، ليكون المرتجع إلى الله سهلاً.
وهذا ما فرض تغييب حتى شعار الحرية، وحصر الصراع في إسقاط النظام من قبل تلك النخب، ليكون البديل الإسلامي هو “الحل” لما بعد الأسد. حيث لم يعد يطرح بديلاً سوى هذه القوى الأصولية “الجهادية”، من جبهة النصرة وداعش، إلى جيش الإسلام والجبهة الإسلامية.
إذن، لا بد من إعادة تحديد هدف الثورة وتقديم البديل الذي يتضمن حلاً لكل المشكلات المجتمعية. وأول نقاطه هو إعادة بناء الاقتصاد بما يسمح ببناء قوى منتجة، وتوظيف العاطلين عن العمل، وتحديد أجر مناسب مقابل الأسعار، ويسمح بعيش لائق. مع إعادة بناء منظومة التعليم والصحة من قبل الدولة الجديدة، لكي تناسب العيش الإنساني والتعليم الذي يخدم عملية التطور والاقتصاد المنتج. وهذا يعني تحديد ضرورة حل مشكلات البطالة (كانت بين 30 و33% من القوى العاملة)، والأجر المتدني، وانهيار التعليم والصحة. وفي هذا المجال ليس غير الدولة هي المعنية بذلك، حيث نجد بأن “رجال الأعمال” المعارضون يتنافسون على الحصول على جزء من كعكة إعادة الإعمار، ويدفعون في إطارات المعارضة لفرض اقتصاد ليبرالي شره، بات مجاوزاً حتى لدى مطلقيه. وأيضاً لا بد من أن تكون إعادة الإعمار “محلية” أي سورية، بعيداً عن نهب الشركات الإمبريالية وسمسرة السماسرة، حيث لا تفعل سوى مراكمة الديون على الدولة.
بالتالي لا بد من أن يحظى “الخطاب الاقتصادي” بالأولوية، وأن يعبّر عن مصالح المفقرين في مواجهة سعي “رجال الأعمال الجدد” لمراكمة الثروة على حساب الشعب المفقر. ولا شك في أن من يتابع النشاط في أروقة معارضة الخارج يلمس الشره الذي يحكم هؤلاء. ومن يقرأ التصورات حول البديل يلمس ركاكة الخطاب الليبرالي بعد أن فشل. وفي موازاة ذلك لا بد من التأكيد على أن الدولة يجب أن تكون علمانية ديمقراطية، وهذا لا يحتاج إلى تمويه أو خوف من الأصوليين، أو تبرير لرفض ذاتي. إن فصل الدين عن الدولة أمر لا تراجع عنه، وكل التخوفات التي تطرح تنمّ عن تشوش ذاتي أكثر مما تنمّ عن ظرف موضوعي لا يسمح بذلك. ولا شك في أن الدولة الديمقراطية هي الضمانة لكي لا تتحول الدولة التي تنشط في الاقتصاد لخدمة تطور المجتمع مزرعة لفئة تنهب مستغلة مواقعها السلطوية. وفي مستوى ثالث لا بد أن يكون واضحاً أن الصراع هو ليس مع “بيت الأسد” بل مع نمط اقتصادي فرض انهيار الزراعة والصناعة والتبعية لهذه الدولة الرأسمالية أو تلك (من تركيا وأوروبا إلى روسيا، وأميركا التي كانت تسيطر على حقول النفط) نسجته المافيا الحاكمة، والتي اتخذت طابعاً عائلياً لكنها كانت تعبر كذلك عن البرجوازية التقليدية التي لازالت تدافع عنها. بالتالي فإن “التلهف” على دعم الخارج (الإمبريالي)، والسعي لدعم تدخله، وتغييب المسألة الوطنية، أفضي إلى تجاهل مشاعر الشعب الذي رأي بالملوس نتائج التدخل الإمبريالي في العراق، والذي لا يستطيع أن يتصالح مع الدولة الصهيونية كونها عدو يحتل فلسطين والجولان، وهو الأمر الذي كان يجعل الشعب السوري يدعم كل مقاومة حقيقية. ولاشك في أن مصالح أطراف المعارضة و”رجال الأعمال” الذي انخرطوا في المعارضة، كانت تجعلهم أميل لـ “التبعية” للقوى الإمبريالية (الفرنسية والأميركية)، ولقوى أقليمية. وهو الأمر الذي أضرّ بالثورة، وأسهم في تخوّف قطاع شعبي منها انطلاقاً من أن هؤلاء “الفطاحل” الذي يغزون الفضائيات باسم الثورة هم ممثلي الثورة، رغم أن مسار الثورة كان مختلفاً.
وبالتالي فإن تموضع سورية، الدولة الجديدة، يجب ألا يكون في صف القوى الإمبريالية، القديمة والجديدة (أي الروسية/ الصينية)، بل لا بد من أن يكون مع حركة الشعوب الناهضة في عديد من بلدان العالم، والتي ستشمل كل العالم في الفترة القريبة القادمة. بمعنى أن الثورة يجب أن تكون مع الشعوب ما دامت هي ثورة شعب يريد التحرر والتطور والعدالة، ضد الطغم الإمبريالية، وضد تقاسم العالم بينها، ومع أفق يحقق الرفاه والتحرر لها جميعاً.
هذا الأمر يفرض أن يكون الشعار الذي رفع في ثورات تونس ومصر هو المعبّر الحقيقي عن الثورة في سورية، أي شعار: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. فليس من حرية والشعب مفقر، ولا يمكن أن تنشأ دولة ديمقراطية في ظل اقتصاد ريعي مافياوي. وهذه الأهداف هي التي توحد الشعب، وتؤسس لوضع الصراع على أساسه المكين، وتسمح بتجاوز الاستعصاء القائم الآن.
نحو سياسة جديدة
بعد ثلاث سنوات من الثورة لا بد من أن تكون قد تراكمت خبرات مهمة، وظهرت المشكلات التي تضعف الثورة. لهذا لا بد من إعادة بناء الرؤية التي تحكمها. هذا ما فرض إعادة صياغة البرنامج الذي يحدد أهداف الثورة، ويفرض إعادة بناء السياسات التي تستطيع تجاوز الاستعصاء القائم وتحقيق الانتصار.
بدأت الثورة “سلمية”، أي عبر كل أشكال التظاهر، التي حشدت في مدن عديدة وفي أوقات مختلفة مئات الآلاف. استمرت كذلك رغم أن السلطة استخدمت السلاح منذ 18 آذار في درعا، واستمرت في استخدامه بعدئذ، وحتى بعد توسيع الصراع من قبل السلطة عبر إدخال الجيش في الصراع ضد الشعب. وإذا كانت السلطة تمارس الوحشية والإذلال من أجل دفع الشعب لحمل السلاح، انطلاقاً من أن هذه الخطوة هي التي سوف تعطيها التفوق نتيجة ضخامة القوى العسكرية لديها. وإذا كانت بعض أطراف المعارضة (الإخوان المسلمون) تحرّض على استخدام السلاح منذ الأشهر الأولى. فإن ما فرض انتقال الثورة إلى العمل المسلح هو الوحشية التي كانت تمارسها السلطة. ولأن الشباب الذي كان يتظاهر هو الذي حمل السلاح فقد تراجعت التظاهرات، خصوصاً مع زيادة عنف السلطة، ومن ثم ميلها للقتل الوحشي والتدمير. وأصبح التسلح هو “المبرر” لكي تزيد وحشية السلطة، وتسمح بالتدمير وتهجير الشعب. بالتالي مالت الثورة لأن تكون مسلحة دون نشاط شعبي مقابل أو رديف، وهذا بات ينحكم لقلة خبرة المسلحين العسكرية، وقلة مقدرتهم التنظيمية بعد أن قتل أو اعتقل أو هرب الصف الأول من المنظمين في التنسيقيات. الأمر الذي فتح على فوضى عسكرية، وتشكل مناطقي للكتائب المسلحة، وفشل في إدارة المناطق التي باتت تحت سيطرتهم.
لقد تسربت فكرة “التحرير” من بعض أحزاب المعارضة كسياسة عسكرية، وفرضت هذه الأحزاب تسمية المنشقين عن الجيش، والذين انخرطوا في الثورة بـ “الجيش الحر”. بالتالي باتت الإستراتيجية العسكرية التي تمارس هي استراتيجية تصارع “جيشين”، تكون مهمة “الجيش الحر” هي تحرير المدن والمناطق السورية من سيطرة السلطة. وفي ظل الاختلال الكبير في ميزان القوى، حيث تمتلك السلطة قوات مدربة على القمع والقتل، وأسلحة لا يمكن مجاراتها من حيث قوة النيران، وفي التحكم في الأرض، ووجود الطيران الحربي والصواريخ بعيدة المدى، كانت إستراتيجية الثورة العسكرية ليست صائبة، لأنها همشت الحراك الشعبي، واعتمدت كتائب مسلحة ضعيفة التدريب والتسليح، وتميل للدفاع عن مناطقها، وإذا تقدمت تتقدم في محيطها. لهذا وقعت تحت ضغط التفوق الكبير في الأسلحة الذي تمتلكه السلطة. وإذا كانت سيطرت على مناطق انسحبت قوات السلطة منها، في الشمال والشرق خصوصاً، فقد دخلت في عملية “تقدم بطيء” بعد ئذ، وفشل أحياناً. ولم تستطع الإفادة من ضعف السلطة لكي تحسم الصراع. إضافة إلى أنها لم تمنع دخول قوى أصولية، زرعتها السلطة، وكان واضحاً أن وجودها سوف يؤدي موضوعياً إلى “تخريب” الثورة، أو عرقلة نشاطها. كما لاحظناً متأخرين.
كل ذلك يفرض أن يعاد النظر في كلية الوضع، بحيث لا بد من إعادة تنشيط الحراك الشعبي، وتنظيم القوى الشعبية بحيث يكون لها دور فاعل. واعتبار أن الثورة هي ثورة شعبية يكون للعمل المسلح دور داعم لتطوير النشاط الشعبي، الذي هو وحده سيحسم الصراع وليس الحرب، في وضع يعاني من اختلال كبير في ميزان القوى. فالسلطة تدعم بالسلاح و”المرتزقة” من إيران والعراق ولبنان، وتدعم بالسلاح من إيران وروسيا، وبالخبرات من هؤلاء جميعاً، بينما لا أحد يريد دعم الثورة عسكرياً، على العكس من ذلك جرى دعم القوى الأصولية من أجل تخريب الثورة، خدمة للسلطة، وبهدف تحويلها إلى مجزرة تكون عبرة للشعوب كافة (خصوصاً هنا السعودية). وبالتالي لا يمكن تحقيق تغيير في طبيعة التسليح القائم يمكن أن يؤدي إلى تحقيق اختلال ميزان القوى.
هذا يفترض التالي:
أ) أن تتشكل مجالس شعبية تدير كل المناطق الواقعة خارج سيطرة السلطة، والمحررة. وأن تكون مهمتها تشكيل إدارة كاملة، بما يخص القضاء و”الشرطة” والخدمات.
بـ) تنشيط الحراك الشعبي (أو المدني كما يتكرر)، وتفعيله في المناطق التي تسيطر عليها السلطة، بكل الأشكال الممكنة، وأظن بأن الشعب بعد ثورة السنوات الثلاث قد اكتسب خبرة في “إجتراح” ما يجعله قادراً على ذلك.
جـ) تنظيم الكتائب المسلحة، وتوحيدها في مظلة واحدة، تتشكل من قيادات عسكرية خبيرة، حيث أن الأمر يتعلق بإعادة بناء الإستراتيجية العسكرية، وتحديد الأولويات التي تتعلق بضرب مفاصل السلطة الأساسية، وليس الانخراط في “تحرير المدن” بحيث تصبح هذه المدن عرضة للقصف العنيف، وللبراميل المتفجرة والصواريخ. والانطلاق من ضرورة تدمير ما تبقى من “البنية الصلبة” للسلطة (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري)، وتدمير كل القوى التي تستجلب من لبنان والعراق وإيران. والسيطرة على السلطة ليس عبر “تحرير دمشق” بل عبر السيطرة على المواقع التي تتحكم السلطة من خلالها بدمشق، وبالسلطة كلها.
د) إنهاء مهزلة التسميات “الإسلامية” للكتائب المسلحة، ومعرفة أن هذه التسميات لن تجلب المال أو السلاح، أو انها تجلب المال للقوى التي تقبل الخضوع لأجندات خارجية، لا تريدها أن تسقط السلطة، بل تريدها أداة مساومة مع السلطة. لقد أضرت هذه التسميات أكثر ما أفادت، وفتحت الأفق لتقوية قوى طائفية أصولية لا تقتل السلطة بل تريد فرض “دولة الإسلام” على الشعب في المناطق التي تتراجع السلطة عنها.
هـ) لا بد من فهم أن ليس كل الجيش يقاتل مع السلطة، بل أن الجزء الأكبر منه بات محيداً ومهمشاً، وهذا ما يفرض التفكير في كيفية التأثير فيه من أجل أن يلعب دوراً في التغيير. وهذا يقتضي أولاً عدم التعامل معه كعدو، ومن ثم كيف يمكن الاستفادة من دوره. فهو يتشكل من أبناء المناطق التي تعرضت القتل والتدمير، وهو من أبناء الشعب الذي ثار، ويمتلك الميول ذاتها.
في مستوى آخر لا بد من تهميش كل المجموعات الأصولية، التي يعمل بعضها لمصلحة السلطة وبعضها لمصلحة دول إقليمية، ومواجهة منطقها الوهابي الذي يؤسس على مخيال قروسطي، ويسترجع ماض وهمي، ويتشكل من خليط من فئات مأزومة (وربما لديها هوس جنسي) واختراق مخابراتي متعدد. فالثورة لم تكن من أجل “دولة الإسلام” التي يدعو هؤلاء لها، بل كانت من أجل الحرية والعدالة كما أشرنا سابقاً. ولم تكن ضد شخص أو عائلة بل كانت ضد نمط اقتصادي وفئات تدافع عنه، من أجل اقتصاد يحقق الرفاه. ولا شك في أن إدخال هذه الأفكار الأصولية كان من أجل تشويش الثورة وتشويهها، لأن ما يمارسه هؤلاء يخرّب مجتمعياً ويستفاد منه من قبل السلطة وعالمياً للقول بأن ما يجري ليس ثورة بل “إرهاب جهادي”. لا بد من أن يحل الخطاب “الوطني” الطبقي الديمقراطي محل أي خطاب آخر، ولا بد بالتالي من مواجهة الخطاب الأصولي الوهابي، وتهميش قواه.
في مستوى ثالث لا بد من تجاوز الأوهام حول “الدور الخارجي”، فليس من قوة دولية تريد انتصار الثورة، بل أنها تريد المجزرة لأن كل منها يتحسس وضعه في ظل الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية، والتي تؤسس لثورات كبيرة في العالم. ولأن من يتدخل يُخضع الملتحقين به لسياساته التي لا تهدف إلى انتصار الثورة قطعاً، وكل يتسابق من أجل الحصول على مصالح اقتصادية وعقود إعادة الإعمار، لنهب البلد بديلاً عن نهب آل الأسد ومخلوف وشاليش وكل الحاشية. بالتالي لا بد من الانطلاق من القوى المحلية، ومن القدرات المحلية، وتنظيمها بما يجعلها قوة. ولهذا لا بد من فضح كل الذين يراهنون على القوى الإمبريالية، أو يتعاملون معها، أو يعتقدون بأن سورية المستقبل يجب أن تكون “في حضن الغرب”. هذا خطاب مسيء ويضر الثورة، ولقد أضرها كثيراً في الماضي دون جدوى، لأن القوى الإمبريالية (وأميركا خصوصاً) لا تريد التدخل، ولم تعد قادرة على ذلك.
في الأخير، ما هو مهم هو كيف يمكن أن يتحرك الساحل السوري؟ أي كيف يمكن أن تفقد السلطة “بنيتها الصلبة”، وتواجه البيئة الاجتماعية التي استغلتها طيلة السنوات الثلاث، وأفقدتها خيرة شبابها؟
فالصراع مع السلطة لن يحسم إلا من خلال الإفادة من كتلة الجيش المهمشة أولاً، ومن تحرك الساحل ثانياً. بغير ذلك ربما يستمر الصراع فترة أطول إذا لم تسارع القوى الدولية التي تريد تحقيق مصالحها في سورية إلى فرض حل وفق جنيف2، أو بشكل آخر. الثورة ليست في أحسن حالاتها، والسلطة كذلك في أسوأ حالاتها، لهذا لا بد من أن يعاد بناء الثورة بما يسمح لها بأن تحسم الصراع، وهذا يفترض انخراط كل الشعب، وتنظيم العمل العسكري، وإعادة بناء الأهداف والسياسات.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات