بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
نقاش خفيف مع -الرفيق- محمد نفاع - الإمبريالية والاستعمار والثورة السور
  15/05/2014

نقاش خفيف مع -الرفيق- محمد نفاع - الإمبريالية والاستعمار والثورة السورية

سلامة كيلة



أتابع ما يكتب عن الثورة السورية، خصوصاً من مَنْ بات يعرف أنهم شيوعيون أو يسار، بهدف المعرفة، لكن إغراءً بأن أدقق في مدى صحة تقييمي لهذا اليسار الذي كنت توصلت منذ زمن بعيد إلى أنه "دوغما"، يحمل بعض الفكار التي يكررها دائماً بغض النظر عن الواقع، سواء تطابقت معه أو عاندته. ولما كنت أعمل على كتابة دراسة حول إفلاس اليسار العالمي، الذي ظهر جلياً في الموقف من الثورة السورية، بالضبط كما كانت الحرب العالمية الأولى هي الكاشف لإفلاس الأممية الثانية، فقد تابعت بعض الكتابات سابقاً، لكن هذه المرة أغراني "خطاب شاعري" كتبه "الرفيق" محمد نفاع حول "الناحية الفكرية والموقف من سوريا" (http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=413145)، فهو يشير إلى "الناحية الفكرية"، وهذا مهم من أجل الفهم، لكن ظهر أن الفكر يساوي الشعارات ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية والرجعية. وظهر "ثبات العالم".
بدا لي أنه لازال يعيش "في الزمن البعيد"، "الزمن الجميل"، الذي كان يحمل الأحلام حول مواجهة الإمبريالية والاستعمار، ومن أجل دعم "النظم التقدمية". أنه يكرر محفوظات قديمة، ويعيد كاسيت لازال يكرر الأغنية القديمة ذاتها. فهو يواجه "التدخل الإمبريالي لتغيير النظم" الذي تكرر منذ "ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى"، إلى دعم فورموزا في الصين والحلف الثلاثي، و.. ألخ. ويواجه في السياق ذاته "التدخل الخارجي الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي والعالمي" في سورية. اللازمة تعطي النتيجة، و"الرفيق" ينطلق كما حزبه من "الموقف الصحيح اعتماداً على انتمائه الفكري في معاداة الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية".
لكن ألم يتغيّر الواقع منذ ثورة أكتوبر إلى الآن؟ ألم تتغير القوى الإمبريالية؟ أين التحليل الملوس للواقع الموضوعي القائم الآن؟
"الرفيق" يكرر لازمة بغض النظر عن الواقع الموضوعي، وهذه سمة أصيلة في الدوغما التي تكرست في "الماركسية اللينينية" التي يعتمدها. الأمر هنا لا يتعلق بالموافقة على التدخل الإمبريالي، أنا أيضاً ضد كل تدخل إمبريالي، منذ ثورة أكتوبر إلى العدوان الثلاثي على مصر، وقبله إلى فرض الدولة الصهيونية بقوة الاستعمار البريطاني، إلى التدخل ثم احتلال العراق، وليبيان وفي سورية أيضاً، وأكثر من كل تلك التدخلات. لكن الخلاف يكمن في تحديد معنى الإمبريالية، وفي الدور الفعلي للقوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية والعالمية. هنا تظهر الدوغما، وتظهر المحفوظات التي تكرر "عن ظهر قلب"، دون التفات إلى الواقع.
"التدخل الإمبريالي في سورية"
أولاً عن أي إمبريالية نتحدث؟ أميركا أو روسيا؟ ألم تصبح روسيا إمبريالية أو لازالت اشتراكية أو بين بين؟

من يتابع سياسة أميركا تجاه الثورات العربية يلمس الارتباك الأميركي نتيجة المفاجأة، ثم الميل إلى الالتفاف على الثورات في تونس ومصر من خلال الضغط لإبعاد الرئيس. في ليبيا تدخلت بعد تلكؤ، ومماطلة، من خلال الطيران (ولقد حوسب باراك أوباما من قبل الكونغرس على هذا التدخل). وفي اليمن دعمت الدور السعودي، وايدت اجتياح السعودية للبحرين. الآن ما هو الموقف في سورية؟ لا أريد أن ننطلق من انها إمبريالية، ولهذا يكون الاستنتاج المتسرع بأنها تدخلت، وربما افتعلت ما جرى. هذا كلام دوغما، يعيد محفوظات مكتوبة منذ عقود. وتنطلق من أن الإمبريالية الأميركية هي وراء كل شرور العالم. وليست معنياً بالدفاع عن هذه الإمبريالية، لكن فهم الواقع هو الأساس لكي نستطيع اتخاذ سياسة صحيحة. لم تطرح أميركا إبعاد بشار الأسد إلا في فترة متأخرة، ولقد تحدثت بخطاب سطحي عن ضرورة التغيير في سورية، وطالبت بشار الأسد بذلك. ولقد عملت على منع شطت فرنسا التي كانت تدفع لتدخل الحلف الأطلسي، وأبلغت المعارضة منذ الأشهر الأولى بأنها لن تتدخل عسكرياً وعن تدعم المعارضة بالسلاح. ومنذ بداية سنة 2012 طلبت من روسيا رعاية مرحلة انتقالية كما حدث في اليمن، وسارت منذئذ مع روسيا في رسم حلّ سياسي. وكان دورها دفع حلفائها  (السعودية وقطر وتركيا وفرنسا) لقبول الحل الذي تم التوافق علية في 30 حزيران مع روسيا. وعملت على تطويع المعارضة "ذات الهوى الغربي" لقبول "الحل الروسي" (المتمثل في مبادئ جنيف1، وتحت الرعاية الروسية الأميركية). ولا زالت ترفض تسليح المعارضة وتمنع حلفائها من تسليحها. هل هذه مؤامرة إمبريالية أميركية، او تدخل إمبريالية أميركي؟
واضح من كل السياق العالمي أن أميركا لا تنافس روسيا في الاستحواذ على سورية، بل تساعدها في ذلك. وهذا يطرح السؤال حول السبب، حيث سيظهر واضحاً كم أن العقل الدوغما بات متغرباً عن الواقع، ويعيش "ماضيه الزاهر". والمشكلة في هذا العقل أنه لازال يكرر ذلك إلى الآن بعد أن بات واضحاً انسحاب أميركا من "الشرق الأوسط" (عدا منطقة الخليج)، وحتى قبولها بأن ترثها روسيا. لماذا؟ بالضبط نتيجة أزمتها العميقة، التي تفجرت سنة 2008 ولم تجد لها حلاً إلى الآن، واقتنعت الطغم المالية الحاكمة في الأخير أنْ لا حل لها، وبالتالي فإن المطلوب هو "إدارة الأزمة". ولقد تُرجم ذلك بتحديد إستراتيجية جديدة أعلنها باراك أوباما في 6/1/2012، تقوم على اعتبار أن منطقة آسيا والمحيط الهادي هي الأولوية (ويا رفيق تابع ما يكتب في الصحف الصهيونية عن ذلكن والسياسة الجديدة التي قررها وزير الخارجية على ضوء ذلك، أو انك لا تعيش في "إسرائيل"؟). وكان من ضمن عناصرها التفاهم مع روسيا وحصار الصين (يمكن أن تعود إلى كتاب بيرجنسكي" رؤية إستراتيجية" الذي ربما يوضح هذه الإستراتيجية). سنلمس هنا بأن الواقع يُظهر اختلاف الدور الأميركي نتيجة الأزمة العميقة التي تطيح بالاقتصاد الأميركي، والرأسمالي عموماً. هذا ما لم يره "الرفيق"، بالضبط لنه يعيش الماضي، والأحلام، ويكرر المحفوظات.
إذن، أميركا ظهرت كمحايدة في الفترة الأولى من الثورة السورية، ثم عملت على دعم الموقف الروسي في سورية. الآن، هل التدخل الروسي هو تدخل "ثوري"؟ ألم تصبح روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي دولة رأسمالية، ومن ثم بات لها مصالح عالمية ككل رأسمالية (ولا أريد قول إمبريالية هنا لكي لا أفتح نقاشاً آخر، حيث أن كل رأسمالية صناعية هي إمبريالية)؟ بالتالي ما الموقف من الدعم الروسي للنظام؟ ومن الاتفاقات التي وقع عليها نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية في آب سنة 2012، والتي تتضمن الاستثمار في النفط والغاز وفي المشاريع الاقتصادية (ومن ثم الاتفاق على توسيع القاعدة البحرية)؟ أليس كل ذلك سيطرة إمبريالية؟ تتوافق مع دعا إليه بوتين منذ زمن بضرورة تعميم حرية الأسواق؟
الآن، الصهيونية، يعني الدولة الصهيونية التي تعترف بها كدولة مستقلة، وأعتبر أنها دولة احتلال لأرض فلسطين. ما هو موقفها مما يجري في سورية؟ وأنت الذي يقيم في فلسطين (أو كما تسميها إسرائيل) ألم تتابع كل الميول التي تدعم نظام بشار الأسد، النظام الذي حافظ على الحدود في الجولان مستقرة طيلة العقود السابقة، والدولة الصهيونية تقضم الضفة الغربية بهدوء وراحة (بعد أن أخرجت مصر من الصراع على ضوء اتفاق كامب ديفيد)؟ والتي لازالت تميل إلى أن بقاء الأسد أفضل من تغييره؟ وأنها تخشى نتائج الثورات أكثر مما تخشى النظم القائمة؟ لكن الدوغما لا تقبل معرفة الواقع، حتى وهو يتكرر أمام الأعين، ويصمّ الآذان.
ثم ثالثاً، "الرجعية العربية" (وهو توصيف سياسي قديم، طرح مقابل التقدمية التي نظّرت لها النظم القومية)، ما هو موقف قطر؟ قطر التي كانت "زعيمة الممانعة" (وأطلق حسن نصرالله على حمد لقب أمير المقاومة)، والتي حصلت من نظام بشار الأسد على مصالح هائلة (مثل تركيا، التي كان الانهيار الاقتصادي في سورية من نتائج العلاقة معها في بغض جوانبه)، والتي كانت عبر تركيا تريد النظام لأن يصلح الوضع لكي يبقى، لأنها تحقق من خلاله ما تريد. وحين تعنّت النظام عملت (مع تركيا وفرنسا) على ترتيب بديل (هو المجلس الوطني). ولقد أفشلت سياسة أميركا ذلك كما أوضحنا قبلاً. أما السعودية التي تعلن دعم الثورة، وتطالب بتسليحها، فقد كان همّها الأساس هو افشال الثورة لأنها وجدت بأن التحرك الذي بدأ في تونس وصل إلى رقبتها (مصر، اليمن، البحرين، وسورية، مع حراك في الأردن والعراق) لهذا كان عليها أن تعمل على وقف هذا المد الثوري لكي لا يصل إليها، ووضع الشعب يعاني كما في البلدان الأخرى، من الفقر والتهميش والبطالة (إضافة إلى السلطة الاستبدادية الأصولية). لهذا ظلت تدعم النظام السوري مالياً (حيث قرر الملك عبدالله دعمه بعد مؤتمر الكويت، الذي تحققت فيه المصالحة بين عبداللة وبشار الأسد، واعتبر عبدالله أن بشار ابنه)، ومن ثم عملت على "الخط الآخر" من تكتيك النظام، الذي كان يريد إظهار الثورة كثورة أصولية إخوانية. فأطلقت عدنان العرعور، الذي هو وهابي (حموي) أسست له منذ زمن قناة فضائية ضد الشيعة، بهدف استخدامه في تخويف العلويين خصوصاً. ثم عملت عبر إعلامها (مثل قطر) على اظهار الثورة كتحرك "إسلامي"، ثم دعمت إرسال "جهاديين بعد أن أطلق النظام كل "الجهاديين" المعتقلين لديه (بداية سنة 2012)، لتشكيل جبهة النصرة، ثم داعش. والهدف كما أراد النظام هو تشويه الثورة وتخريبها من الداخل. ثم لم تقدّم كثيرا ما وعدت به وما قدمته كان يهدف إلى إطالة أمد الصراع أكثر مما هدف إلى دعم انتصار الثورة، بعد أن "اشترت" كتائب مسلحة جعلتها قوة إرباك في الثورة (مثل زهران علوش وجيش الإسلام).
السعودية بالتالي دعمت النظام مالياً ودعمت سياسته لأسلمة الثورة، واشترت كتائب مسلحة لكي تكبح الثورة بها. المشكلة هنا تتمثل في الإسقاط الميكانيكي للتصور المتخيل عن السعودية (كذلك عن الإمبريالية عموماً)، وبالتالي تجاهل الواقع والوقائع. لهذا ينطلق "الرفيق" "من وضوح الوضع في سوريا، من حيث التدخل الخارجي الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي والعالمي"، وضوح فاقع إلى حدّ تشوه رؤية "أفراد عندنا يناقشون الموقف ويتحفظون وحتى يعارضون، وهذا مثير لأشد الدهشة". ربما للعمر أثر يا "رفيق"، حيث تكلس ما تكلس، ولم يعد للواقع أثر على ما في الدماغ. وأصلاً لم تعد هناك إمكانية لأن تستوعب الدماغ حركة الواقع السريعة والمتشابكة والمتشعبة. لهذا الأفضل أن "نبقى على قديمنا"، رغم أنه لم يسعفنا في أن نربح معركة واحدة، أو نتقدم خطوة واحدة، ولم نفعل سوى تبرير هزائمنا بالتدخل الإمبريالي. يا "رفيق" نحن في عالم لم يعد المعسكران قائمين، ولا ظل الصراع هو بين الاشتراكية والرأسمالية، بل بات تنافس بين رأسماليات، كل يريد كسب مواقع جديدة بعد أن هزلت أميركا الإمبريالية وباتت تقبل ألا تكون الإمبريالية المسيطرة، وان تلجأ لعقد تحالفات تنقذها من خطر الصين. بالتالي لم تعد روسيا عدواً لها رغم الصراع في أوكرانيا، والتنافس للسيطرة عليها، بعد ان أفضت الثورة فيها إلى طرد "عميل روسيا"، حيث سيقبل "الغرب" التنازل هنا لروسيا كذلك. فالعالم متشابك وليس من الممكن أن ينجر إلى حرب، ولا إلى حرب باردة (كما صرّح مسئول العلاقات الخارجية في مجلس الدوما الروسي). وبتنا إزاء تقاسم عالمي جديد، هذه هي البديهية الأولى التي تنهي عقوداً من عالم ثنائي القطب، وعالم تهيمن أميركا عليه. ثم أن الأمر الذي يبدو أن " الماركسية اللينينية" قد محته، هو أننا نشهد عصر الثورات، التي بدأت في الوطن العربي، لكنها مرشحة للتوسع العالمي نتيجة أزمة الإمبريالية العميقة والتي لا حلّ لها، وهذا جعل أمر تصفية الثورات العربية بديهية لدى الإمبريالية و"الرجعية" وليس تغيير نظام بشار الأسد الذي كان قد التحق بالركب الليبرالي.
تحليل النظام السوري
هذه المسألة الأخيرة تلمس الوهم الآخر الذي يحكم منطق "الرفيق" محمد نفاع، فهو لا زال يتعامل مع النظام السوري كما كان سنة 1967. حيث "عرف الحزب طبيعة وجوهر النظام في سوريا، ومن أهم ملامحه معاداة الاستعمار". لهذا يستهجن "بدعة وضع النظام على المشرحة في الوقت الذي يتعرض فيه إلى حرب إجرامية بهدف اسقاطه". ويستزيد في توصيف النظام: "لا يصنف الناس بحسب طوائفهم"، "حرية المرأة في العلم والعمل"، "في المجتمع السوري ملامح هامة من العلمانية وبلا "كبت ديني" من قبل النظام"، "حرية العبادة بلا تعصب"، "الأحزاب ليست على أساس طائفي"، "الجبهة التقدمية". سنلمس هنا أن "الرفيق" يركز على ما هو سياسي متجاهلاً الوضع الطبقي للنظام والمجتمع، وهذه "ميزة مهولة" لدى الرفاق الذين يتبعون "الماركسية اللينينية". حيث يطفو السياسي ويختفي الطبقي، رغم أن اكتشاف ماركس الجوهري تمثل في "الأساس الاقتصادي الطبقي". ولا شك في أن ما أوصل هؤلاء إلى "الماركسية" هو "معاداة الاستعمار"، وهو الأمر الذي سنتحدث حوله تالياً. لكن ما هو الطابع الطبقي للنظام السوري سنة 1967، وما هو طابعه الآن؟ هل ظل كما كان سنة 1967 أو تغيّر؟ مسألة الصيرورة والتغيّر أيضاً لا تدخل في قاموس "الماركسية اللينينية" التي يعتنقها الرفاق، رغم أنها جوهر المفهوم المادي الديالكتيكي الذي هو منطق الماركسية كلها.
ما لا تعرفه يا "رفيق"، وبغض النظر عن كل ما اشرت إليه حول طبيعة النظام السوري، هو أن 70% من الاقتصاد السوري يمتلكه القطاع الخاص حسب تقديرات رسمية سنة 2010، وأن 30% من هذه تمتلكها "العائلة الحاكمة" (آل مخلوف والأسد)، وان هؤلاء متحالفين مع تجار دمشق وحلب في "شركة الشام القابضة" (التي تضم مائة "رجل أعمال") يسيطرون على 60- 70% من الاقتصاد السوري. وأنه حسب دراسات الدولة سنة 2010 كان يجب أن يكون الحد الأدنى للأجور هو 31 ألف ليرة سورية (622 دولار) بينما كان الحد الأدنى هو 6 آلاف ليرة (150 دولار)، وأن متوسط الدخل كان 11 ألف ليرة (220 دولار)، أي ثلث الحد الأدنى الضروري للعيش تقريباً. وأن الصناعة انهارت (حتى صناعة الغزل والنسيج التي هي تراث سوري)، والزراعة انهارت (وتشرّد من منطقة الجزيرة السورية مليون فلاح إلى سنة 2010). وتمركز الاقتصاد في ما هو ريعي (الخدمات، والسياحة والعقارات والاستيراد)، وكان محتكراً من قبل تلك القلة. وحسب تقرير اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا لسنة 2010 كانت سورية أغلى بلد عربي من حيث علاقة الأجور بالأسعار.
كيف سنحلل كل ذلك ماركسياً؟ وكيف يمكن ان نلمسه طبقياً؟ وهل كان وضع تونس ومصر أسوأ من ذلك؟ وهل يمكن أن نتوقع أن يثور شعب تونس ومصر وهو في هذه الوضعية وألا يثور الشعب السوري لأن النظام "معادي للاستعمار (رغم أن الاستعمار رحل منذ زمن طويل)؟ أليس الصراع هو أولاً وأساساً صراع طبقي كما تعلمنا الماركسية؟ بالتالي من الطبيعي ان تحدث ثورة حين يصبح أغلبية الشعب مفقر (30- 33% نسبة البطالة)، وأقلية تحتكر الثروة بشكل وحشي، هذا هو مبدأ الثورة كما تحددها الماركسية الصحيحة. بالتالي بغض النظر عن تحالفات النظام العالمية، و"مواقفه الوطنية"، "المعادية للاستعمار الذي رحل منذ عقود"، فإن الصراع الطبقي سوف ينفجر، لن الطبقات الشعبية تتمرّد حين لا تعود قادرة على العيش، ولا أظن انها ستكون قادرة على مقارعة "الاستعمار" وهي عاجزة عن العيش نتيجة نهب رأسمالية مافياوية تحكمها. في الوقت ذاته لا يعود مهماً "موقف النظام الوطني" حين يدفع الشعب إلى الجوع والموت. طبعاً سأتناول تالياً مسألة "معاداة الاستعمار" لهذا لن اشرح هنا حول ذلك، لكن طبيعة المنظور الذي يحكم فهم الواقع هو الذي يحدد ماركسية أو لا ماركسية الشخص، والماركسية تنطلق من الطبقي وليس من الوطني (وإلا اصبحت نظرية قومية)، والوطني يتأسس على الطبقي وليس العكس.
لهذا أشير إلى أن نظاماً فرض اللبرلة، وخضع لفئة نهبت "القطاع العام" وباتت تتحكم في الاقتصاد وفي السلطة، ليس من الممكن أن يكون معادياً للإمبريالية، ربما يختلف معها لكنه لن يكون معادياً لها، لهذا سنجد أنه يتشابك معها اقتصادياً. وإذا كانت المافيات الحاكمة في سورية لم تتشابك مع الإمبريالية الأميركية(بالقطع كان ذلك نتيجة السياسة الأميركية وليس نتيجة عدم رغبة تلك المافيات، التي زحفت لكي تقبلها هذه الإمبريالية) فقد تشابكت مع الرأسمال الخليجي المتشابك مع الإمبريالية الأميركية، ثم مع الرأسمال التركي، ومن ثم مع المافيا في أوروبا الشرقية وروسيا. ولقد وقعت صفقات (هي ذاتها التي كانت توقع مع الشركات الأميركية) مع روسيا الإمبريالية. ولا شك في أن طبيعة الشروط التي تحقق المصالح الاقتصادية لبلد هي التي تظهر الطابع الإمبريالي للعلاقة، وهو ما ظهر واضحاً في ما اضطرت السلطة السورية خشية من تدخل "غربي" أن تقدمه لروسيا (رغم أنه لم يكن مطروحاً التدخل كما أشرت قبلاً). لهذا فإن المسألة لا تتعلق بـ "معادة الإمبريالية" بل بالشروط والظروف التي دفعت السلطة السورية لعدم المقدرة على الارتباط بأميركا، واضطرت للالتحاق بروسيا. السلطة الحاكمة في سورية تمثل مافيا رأسمالية تتشابك بالمافيات العالمية بالتالي، وليس "معادية للإمبريالية". وهذا يحدث كثيراً، حيث يمكن لرأسمالية تابعة أن "تتمرد" وتميل لعلاقة مع طرف إمبريالي غير أميركا (نوريغا في بنما، ومينامار التي تمردت على أميركا والتصقت بالصين).
وهنا نشير إلى أن المنظور "الوطني" يؤدي بالضرورة إلى رفض إمبريالية لمصلحة التحالف مع أخرى، أما الماركسية فتقاتل ضد كل الإمبرياليات. ولهذا لا تعتبر أن الموقف ضد إمبريالية كافٍ للتحالف مع أخرى، او الدفاع عن نظام يتحالف مع أخرى، خصوصاً وهو يسحق الشعب، ويمارس كل الوحشية التي لم تمارسها النازية. هذا ما يفعله "تصنيم" الصراع ضد أميركا كونها الإمبريالية الوحيدة، ربما كان ذلك صحيحاً خلال الحرب الباردة وفي مرحلة الأحادية القطبية بعد انهيار النظم الاشتراكية، لكنه يصبح "مسخرة" بعد كل التحولات العالمية التي أسست لتنافس جديد بين إمبرياليات.
الآن، قبل الانتقال لمسألة "معاداة الاستعمار" سأكمل قليلاً عن سورية، حيث أن المظاهر التي اشار إليها "الرفيق" هي نتاج تطور الشعب السوري، ولقد لعب البعث في مرحلته الأولى دوراً فيها، لكن لا يمكن أن نتجاهل بأن النظام منذ سيطرة حافظ الأسد قد عمل على استغلال كل ما هو ديني وطائفي في المجتمع، فشجع كل الاتجاهات السلفية ودعم المؤسسات الدينية المتخلفة (الأصولية)، واستغلّ "تنظيم القاعدة"، وعمل على تدمير كل فكر حر ويساري. بما في ذلك أحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية" التي فككها لأحزاب متناحرة، وحوّلها إلى بيروقراطية سلطة (لهذا نراها تدافع عنه، رغم أن كثير من قواعدها انضم إلى الثورة تاركين أحزاب ملحقة بالسلطة)، وألقى بخيرة شباب سورية في السجون لسنوات طويلة. وكان حليفاً رئيسياً للسعودية، وشارك في الحرب الإمبريالية ضد العراق سنة 1991، وكان قد أسهم في تدمير المقاومة الفلسطينية. كل ذلك يشير إلى أن مصالحه هي التي حكمت مواقفه وسياساته وليس أوهامنا حول "معادة الاستعمار".
معاداة الاستعمار
تكرار كلمة الاستعمار تشي بأن "الرفيق" يكرر ما كان قد صيغ في الربع الثاني من القرن العشرين، حيث ان الاستعمار بدأ يأفل بعيد الحرب العالمية الثانية، إلا في فلسطين التي لا يعتبر "الرفيق" انها مستعمرة من قبل "الدولة الصهيونية"، حيث أنه وحزبه يعترفان بالدولة ويتحدثان عن فلسطين في 20% هي الضفة الغربية وقطاع غزة. بالتالي أحرى أن يجري تناول هذا الاستعمار الاستيطاني المكرّس من قبل الإمبريالية (الأميركية، ولا نعرف ممن في المرحلة القادمة، هل من روسيا أو من الصين). والملفت هو أن "الرفيق" يشير إلى اعتماد "الحزب الشيوعي اليهودي العربي" (وهل اليهودية قومية أو دين لكي يجري تعريف جزء من البشر بها مقابل العرب؟) "على انتمائه الأيديولوجي المعادي أولاً وقبل كل شيء للاستعمار"، ويبدو انه نسي أن يضيف فقرة صغيرة تقول: إلا في فلسطين. على كل ما أريده هنا هو إظهار المفارقة، حيث يجري إعلاء مبدأ "معادة الاستعمار" في الأماكن التي هي مستقلة، في الوقت الذي يجري قبوله والتكيف معه في المكان الذي هو مستعمر فعلاً.
لكن ما يبدو مفيداً هو ملاحظة أن الأولوية تعطى لمعادة الاستعمار، فـ "كل حزب عربي قومي حقيق مكانه يجب أن يكون ضد الاستعمار بناءً على الماضي والحاضر". وإذا كانت سورية غير مستعمرة بل تحكم بنظام "وطني"، فما علاقة تلك الأولوية لكي تكون أساس تحديد الموقف الداعم للنظام؟ سورية مستقلة منذ سنة 1946، وحكمت بنظم متعددة، آخرها نظام حافظ الأسد، الذي تقارب مع "الرجعية" والإمبريالية بعد وصوله السلطة، ولعب دوراً إقليمياً كان يضر "التحرر الوطني". حتى في الصراع ضد الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان، حيث عمل على تدمير المقاومة الوطنية اللبنانية لمصلحة مقاومة طائفية مرتبطة بإيران (حزب الله) لكي يكون سهلاً وضعها في السياق الذي يريده. ومن ثم، بعد الثورة، بات أسير الصراع والتنافس بين الإمبرياليات كما أشرنا قبلاً. أين موقع الاستعمار؟ إلا إذا كان مصطلح الاستعمار يعني الإمبريالية كما هو متداول لدى بعض "الماركسيين"؟ لكن حتى في ذلك هناك قلب للماركسية لكي تقف على رأسها، حيث أن الأولوية هي للصراع الطبقي، وهذه هي ميزة الماركسي عن "القومي" الذي ينطلق من "الوطن". طبعاً هذه عاهة "الماركسية اللينينية" التي عممها السوفيت، والتي شطبت كل منجز لماركس وإنجلز، معيدة إنتاج المنطق الصوري على الضد من الجدل المادي. يا "رفيق" تكون الأولوية لمعادة الاستعمار حين يكون هناك مستعمِر، ويكون الصراع الطبقي هو الأساس في كل الحالات الأخرى. لهذا كان صحيحاً مواجهة الاحتلال الأميركي في العراق والتدخل الأطلسي في ليبيا، لكن في سورية ليس من تدخل استعماري (احتلالي)، وكل التدخل هو ضد الثورة كما شرحت قبلاً، والصراع هو صراع طبقي بامتياز نتيجة ما أشرت إليه من أرقام متعارف عليها (وليست مغرضة). ولا شك في أن كل صراع طبقي محلي يستثير تدخلات عالمية، ويخلق شهوة السيطرة لدى القوى الإمبريالية، كما حدث في أوكرانيا مثلاً. هذا هو الوضع الذي كان مفكرو الماركسية الأوائل يوصفونه دون أن يتجاهلوا أن الأساس هو الصراع الطبقي. أي وضع الثورات وكيف يمكن أن تجري التدخلات دون أن يجري تجاهل أنها ثورات.
فالتحليل يجري "من تحت إلى فوق" وليس العكس، أي من البنيان الاقتصادي الطبقي إلى السياسي (الدولة والأحزاب) إلى العالمي، والصراعات تدرس على هذا الأساس. وحين يجري العكس يجري البدء من الاقتصادي العالمي لكي يجري لمس أثره على الأطراف، وعلى الواقع العياني في بلد ما. أما "معادة الإمبريالية" هكذا دون تحليل اقتصادي طبقي فتتحوّل إلى موقف "وطني" خالٍ من كل تحليل اقتصادي طبقي، وتؤسس للتعصب، وللوقوع في فهم مغلوط للقوى التي "تصارع" الاستعمار، التي سيكون بعضها رجعياً (مثل القوى الأصولية، وتنظيم القاعدة). فالصراع ضد الإمبريالية يمكن أن يكون من موقع "رجعي" أو من موقع ثوري، وبالتالي لا يكفي القول بـ "معادة الإمبريالية". ولهذا لا يكفي أن ندافع عن أي نظام "يقول لأمريكا وإسرائيل لا"، رغم أن النظام السوري لم يكن يقول لا، لا لأميركا ولا للدولة الصهيونية، وظل يحاول "مد الخيوط" نحوهما. هذا ما حدث مع نجاح أوباما، حيث كانت العلاقات الحسنة قد بدأت تعود إلى مجاريها. وهو ما ظل قائماً مع الدولة الصهيونية، حيث استمر التواصل معها، خصوصاً منذ استلام بشار الأسد السلطة، وبعد قتل الحريري، حيث عقدت اجتماعات سرية توجت باجتماع علني برعاية تركية. وحين تصاعد الصدام التركي مع الدولة الصهيونية ذهب بشار الأسد لكي يقنع اردوغان بعدم قطع العلاقة معها. كل ذلك يبدو أنه بات منسياً كالعادة، حيث أننا نعمل "يوم بيوم".
النوستالجيا يبدو انها تفرض اختراع ماض جميل لنظم كانت قد تشوهت وتخلت عن كل ميراث "تحرري". ويبدو ان أوهام "معاداة الاستعمار" التي خبت كثيراً في العقود الأخيرة باتت تفرض كل هذا الدفاع عن بقايا نظام "من الماضي"، وان نعطيه الصورة التي في مخيلتنا لكي نرضي نوستالجيانا.
يا "رفيق" نحن في عالم مختلف. لسنا في زمن الحرب الباردة. أميركا في أفول، وروسيا تحاول أن تصعد كإمبريالية، وتجري محاولات لتقاسم جديد للأطراف وللعالم، في ظل أزمة عميقة وصعبة تعيشها الرأسمالية كلها، ليس من إمكانية للخروج منها. وهذا ما سيدفع إلى تعميم الثورات التي بدأت في الوطن العربي على العالم. وكل هذه التحولات كانت الثورة السورية هي مفصلها، بالتالي بدل توهم دور "إمبريالي" ضد النظام السوري من قبل أميركا والصهيونية والرجعية، يجب ملاحظة التدخل الإمبريالي الروسي الذي يدعم نظام مافياوي على ضوء مصالح اقتصادية وجيوسياسية. يجب تلمس وحشية النظام الذي يستخدم كل أنواع الأسلحة المحللة والمحرمة ضد الشعب، علناً وبموافقة أو تواطؤ من كل الإمبرياليات والنظم "الرجعية" و"الثورية"، ومعظم اليسار العالمي. اليسار الذي سقط أخلاقياً بما سيجعله يلقى في "مزبلة التاريخ" مع كل النظم القائمة، ومع الرأسمالية، وأن يدان ويحاسب كما يدان كل هؤلاء. فهو يقف في لحظة تاريخية فاصلة مدافعاً عن أسوأ النظم بحجة "معاداة الإمبريالية".
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات