بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
كيف كان شكل المواطنة في دولة البعث؟
  29/11/2014

 

 

كيف كان شكل المواطنة في دولة البعث؟


ملف أعده لأورينت نت: أحمد عزام ملف الأسبوع


المواطنة مصطلح مستحدث في اللغة العربية دخل إليها من خلال ترجمة التراث الغربي، فهي تقابل كلمة Citizenship الانكليزية ،أما أصل المصطلح فهو يوناني ويأتي من كلمة Politeia المشتقة من كلمة Polis أي المدينة.
والمواطن وفق المفهوم الغربي هو الفرد الذي ينتمي إلى دولة معينة ويقيم فيها حتى لو لم يولد فيها كحالة الحصول على الجنسية ،ويحدد الدستور والقوانين العلاقة بين المواطن والدولة والتي تشتمل على الحقوق والحريات والامتيازات التي يتمتع بها المواطن ،وواجباته والتزاماته اتجاه دولته.
تعرف دائرة المعارف البريطانية المواطنة بأنها علاقة بين فرد ودولة يحددها قانون هذه الدولة وما تشمله تلك العلاقة من واجبات وحقوق ،منها حق المواطن في الانتخاب وتولي المناصب السياسية.

مراحل تطور المفهوم:
الحديث عن تاريخ المواطنة حديث يطول لكننا سوف نقف هنا عند أبرز محطاته ، حيث عرف المجتمع اليوناني أولى مظاهر الديمقراطية والمواطنة ،وإن لم تكن مكتملة بسبب استبعاد النساء والعبيد من العملية السياسية.
أما في التراث العربي الاسلامي فلا وجود لكلمة المواطنة وإن كان البعض يرى بأن ما يتضمنه المفهوم من معاني الحرية والمساواة والعدل والمشاركة والمسؤولية هي معاني دعا إليها الاسلام.
وفي العصور الوسطى دخلت اوروبا في سبات عميق حيث سادت أنظمة الحكم الفردي المطلق الذي لا يعير أي قيمة للمواطنة، وتعتبر الثورة الفرنسية عام 1789 نقطة تحول في تاريخ اوروبا والعالم حيث صدر عنها بيان حقوق الإنسان والمواطنة ومعها عرف مفهوم المواطنة تطورا هاما أحدث قطيعة مع الحقبة السابقة فأصبح يشتمل على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع إقرار مبدأ المساواة أمام القانون وعدم إقصاء الاقليات أو أي فئة أخرى.
لم يقف تطور مفهوم المواطنة عند هذا الحد، فكان للعديد من المفكرين السياسيين والفلاسفة اسهاماتهم كفلاسفة الانوار اللذين اثروا المفاهيم السياسية بمصطلحات كالمجتمع المدني والرأي العام والسيادة الوطنية.
ننتقل للحديث عن مفهم المواطنة بين النظرية والتطبيق في سوريا وبخاصة خلال حقبة حكم البعث ..
مع تحقيق سوريا لاستقلالها عام 1946 بدأت مرحلة سياسية جديدة، واعتبرت حسب البعض ولادة للجمهورية الأولى، في هذه المرحلة وعلى مستوى المؤسسات والقوانين والدستور حاول السوريون محاكاة المنوذج الفرنسي ونشأة حالة من الحراك السياسي والاقتصادي، إلا أن موجة الانقلابات العسكرية مزقت النسيج القانوني والدستوري وهشمت معانيه لدى المواطنين. أما في مرحلة الجمهورية الثانية وهي مرحلة الوحدة مع سورية فلا يمكن الحديث عن حياة سياسية ودستورية بعد أن رضخ السوريون لشروط عبد الناصر المتمثلة بالوحدة الاندماجية الكاملة ما أحدث قطيعة مؤسساتية ودستورية مع المرحلة السابقة تمثلت بحل الاحزاب والبرلمان وإغلاق الصحف واستبدال هياكل المؤسسات الدستورية والقضائية والامنية بأخرى جديدة تحكمها العقلية الثورية الناصرية القائمة على المشروعية الثورية وليس على النظم السياسية الديمقراطية التي تستمد شرعيتها من الشعب من خلال المؤسسات المنتخبة، وهو ما يشكل انتهاكا كبيرا لمفاهيم المواطنة والديمقراطية وإلغاء لكل أشكال العمل السياسي، عدا عن القمع المنظم الذي مورس خلال حكمه.
بعد الإنفصال عام 1961 لم ينجح السوريون باستعادة الهيكلية المؤسساتية الدستورية السابقة لمرحلة الوحدة، فهذه المرحلة خلفت آثارا نفسية وسياسية وفكرية عميقة لدى الشارع والنخب السورية، والتي انقسمت بين مرحب بالانفصال ومطالب بالعودة إلى المؤسسات الدستورية في مرحلة ما بعد الاستقلال ومعاد للانفصال ومطالبا بالعودة إلى الوحدة.. حسم الخلاف صعود النخبة العسكرية ذات التوجه الايديولوجي بالانتقال الى نمط الشرعية الثورية فكان انقلاب 1963 الذي أوصل البعثيين إلى السلطة لتبدأ معه مرحلة الجمهورية الثالثة.
منذ استلام البعث للسلطة وحتى وصول الأسد للسلطة عام 1971 لم يهتم البعث ولو حتى شكليا بارساء قواعد للعمل والمشاركة السياسية، ولم يقم بأي انتخابات محلية أو تشريعية أو رئاسية ما يمثل استخفافا مطلقا بالشرعية الدستورية، عدا عن كون ممارساته السلطوية اعتمدت القمع وكبت الحريات اسلوبا للسيطرة فلا يمكن الحديث أيضا في هذه الحقبة عن أي شكل من أشكال المواطنة لا على مستوى النظرية ولا التطبيق، علما بأن سوريا محكومة بقانون الطوارئ منذ استلام البعث للسلطة.
المواطنة في حقبة حكم الأسد:
تسلم الأسد السلطة بانقلاب أسماه الحركة التصحيحة وأطلق مشروعه السياسي بعد تسلمه السلطة رسميا عام 1971 والذي اسسه على أسس جديدة مختلفة عما ساد منذ تسلم البعث السلطة حيث قام بإنشاء مجلس الشعب وتأسيس الجبهة الوطنية التقدمية والتي اعتبرت صيغة من صيغ تشريع التعددية السياسية وضمت الأحزاب المتحالفة مع البعث وأقرت بميثاق الجبهة الذي أقر بقيادة البعث الدائمة وعدل دستور 1969 المؤقت بإعلان دستور عام 1973 ، كما قام وبالتوازي مع ذلك ببناء ھیاكل مؤسسیة ھدفھا ترسیخ النظام تمتلك السلطة الفعلیة خلف واجھة المؤسسات المدنیة، وبنفس الوقت أعاد بناء المنظمات الشعبیة مثل اتحاد العمال والفلاحین والنقابات وغیرھا على أسس تضمن الولاء الكامل وذلك عبر توسیع الإدارة الحكومیة والجیش والأجھزة الأمنیة.
الانتهاكات لمفهوم المواطنة والديمقراطية في دستورعام 1973:
يعطي دستور عام 1973 للرئيس صلاحيات مطلقة فهو یقر بأن رئیس الجمھوریة یتولى السیاسة الخارجیة أما رئیس الوزراء فلا یمارس أي نشاط ملحوظ في مجال السیاسة الخارجیة علي رغم مسؤولیته عنھا، إذ یحدد الدستور في المادة (94) أن رئیس الجمھوریة یقوم بوضع السیاسة الخارجیة للدولة ویشرف على تنفیذھا بالتشاور مع مجلس الوزراء، بینما لا تتعدى مھمة السلطة التشریعیة حسب (م 71) من الدستور مناقشة سیاسة الوزراء وإقرار المعاھدات والاتفاقیات الدولیة التي تتعلق بسلامة الدولة (م17).
وھو أي الرئيس فضلا عن ذلك الأمین العام لحزب البعث الذي یعطیه الدستور السوري في مادته الثامنة الحق في قیادة الدولة والمجتمع ، كما أنه یجمع إلى ذلك منصب القائد العام للجیش والقوات المسلحة (م103) من الدستور .. وھو رئیس القیادة المركزیة للجبھة الوطنیة التقدمیة، أما صلاحیاته فھي تتجاوز الصلاحیات التنفیذیة إلى التشریعیة، ذلك أنه یملك حل مجلس الشعب (م18-107) والتشریع في غیر دورات انعقاده (م111) ورد القوانین(م 108 من النظام الداخلي لمجلس الشعب)، وله الحق في تعیین نائب له أو أكثر، ویحدد اختصاصاتھم ویعفیھم من مناصبھم، كما أن له الحق في تعیین رئیس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء وإعفائھم من مناصبھم (م95) وإعلان حالة الحرب (م100) وإعلان حالة الطوارئ وإلغائھا (م101).
وجعل الدستور حزب البعث المخول الوحيد باختيار الرئيس فالانتخابات الرئيسية تجري باستفتاء شعبي حيث يرشح مجلس الشعب المرشح لمنصب الرئاسة بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي (م83-84).
كما سيطر البعث على مجلس الشعب والبلديات من خلال قانون الانتخابات الذي يعطي للبعث والجبهة المتحالفة معه أكثر من نصف مقاعد مجلس الشعب ويضع العملية الانتخابية في يد السلطة التنفيذية التي تشرف عليها، وبهذا يكون الدستور وقانون الانتخابات قد أغلقا الحياة السياسية كاملة ووضعوها بيد سلطة مركزية يسيطر عليها الرئيس سيطرة كاملة ما يعني انهاء مظاهر الحياة السياسية في البلاد وتحويل المواطن إلى عضو عاطل سياسيا.
الحريات والواجبات والحقوق في الدستور:
جميع بنود الفصل الرابع المعنون بالحريات والحقوق والواجبات العامة جاءت متفقة مع روح العصر والدساتير العالمية فهي تؤكد على حرية الأفراد وسلطة القانون ومبدأ المساواة والمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتمنع التوقيف خارج سيادة القانون وتمنع التعذيب وتعاقب عليه، وتؤكد على سرية الاتصالات وعدم السماح بانتهاك خصوصية الافراد، وتصون حقوق المواطنين وتؤكد على معاقبة القانون لأي انتهاك لهذه الحقوق، أي أن ما يتعلق بباب الحريات والحقوق إنما هي مصونة بالدستور بشكل واضح، ولكنها تتعارض مع فصول الدستور الأخرى، فكيف يدعي الدستور حماية حقوق المواطنين بالمشاركة في الحياة السياسية ويقيد الترشح لمنصب الرئيس بجعله حكرا على حزب البعث العربي الاشتراكي، وبجعل الحزب والجبهة مسيطران على مجلس الشعب والبلديات والإدراة المحلية بحكم قانون الانتخابات وصلاحيات الرئيس المركزية المطلقة .. فحتى المحافظين في المحافظات يتم تعيينهم بمرسوم جمهوري وليس انتخابا من قبل أبناء المحافظة نفسها.
أي أن أولى نقاط التعارض بين النظرية وبين التطبيق إنما جاء نظريا ضمن الدستور نفسه، أما فيما يخص تكفل الدستور بحماية حريات المواطنين بالتعبيرعن الرأي بالقول والكتابة والنشر، وتكفله بالمساواة وتكافؤ الفرص وحماية المواطنين من الاعتقال خارج القانون، ومن التعذيب والمحاسبة على آرائهم ومواقفهم وصيانة الممتلكات الخاصة، هذه البنود والفصل الرابع ككل تحولت إلى حبر على الورق من خلال ممارسات القمع المنظم والتدجين وخنق الحريات العامة والاعتقال التعسفي والتعذيب ومصادرة الاملاك الخاصة دون أي تعويض أو بتعويض بسيط يكاد يكون بلا أي قيمة حقيقية، وغياب القانون، وكل أنواع وأشكال الممارسات التي لا تعد ولا تحصى والتي وسمت حقبة الرئيس الاسد واستمرت حتى يومنا هذا ..
أي أن أجهزة الأسد ومؤسساته لم تلتزم حتى بالدستور الذي وضعه الأسد نفسه، ولم تراعي أبسط حقوق المواطنين على دولتهم، عدا عن أن الأسد أسس أجهزة امنية وقضائية لا تراعي أبسط مقومات المشروعية القانونية والدستورية وتعتبر من أكثر الأجهزة والمؤسسات انتهاكا للمفاهيم القانونية ولمفهوم المواطنة ولحقوق المواطن والإنسان وحريته وهي خارج أي سلطة أو مؤسسة وترتبط بالأسد نفسه متجاوزة حتى للاطر الدستورية والمؤسساتية التي وضعها بنفسه كجهاز أمن الدولة الذي لا يتبع لأي وزارة أو إدارة حكومية ومحكمة أمن الدولة التي تعتبر جسما قضائيا مشوها لا يرتبط بالجسم القضائي التقليدي بأي شكل من الأشكال، ولا يمكن حتى أن يكون متناسبا مع أي بيئة تشريعية بما فيها البيئة التشريعية القانونية السورية.
ولا ننسى بأن الدستور والقوانين حتى لو كانت محاكية للقوانين العصرية، فهي معطلة بحكم قانون الطوارئ المطبق منذ العام 1963.
الانتهاكات للمواطنة لم تكن حكرا على الدستور والممارسة العملية وسطوة أجهزة المخابرات وقانون الطوارئ، إنما تعداه إلى قانون العقوبات نفسه والذي يحتوي على مواد بصياغات فضفاضة تسمح للقاضي بإصدار أحكام جائرة كالتهم التي توجه لأي شخص يريد النظام معاقبته باتهامه بمعاداة النظام الاشتراكي مثلا أو بث إشاعات من شأنها أن توهن من نفسية الأمة، وإضعاف الشعور الوطني وغيرها الكثير من العبارات والتهم الفضفاضة التي يمكن لصقها بأي شخص ولا تحتاج لتوصيف جرمه بشكل واضح، عدا كون قانون العقوبات في الكثير من قوانينه ومواده يعتبر متخلفا ولا يناسب العصر الحالي فهو في مجمله مأخوذا عن القانون الفرنسي القديم وعن القانون العثماني، ويحتوي على ثغرات كثيرة تمكّن من تبرئة المجرم وتجريم البريء ..إضافة لأن السلطة القضائية غير مستقلة عن السلطة التنفيذية فرئيس الجمهورية هو رئيس مجلس القضاء الأعلى وهو من يعين أعضاء المحكمة الدستورية (م 132 –137– 139).
ما نستنتجه أن المواطنة وحقوق الإنسان إنما انتهكت أساسا بالدستور والقانون قبل أن تنتهك بالممارسة العملية، ولم يكن الدستور ولا القوانين مراعية لأبسط مقومات المواطنة والحقوق، ورغم ذلك فهي لم تطبق وأصبحت العلاقة داخل الدولة بين المواطنين فيما بينهم وبين المواطن والمؤسسات الادارية البيروقراطية إنما تحكم بشريعة الغاب، ليصبح الأقوى هو صاحب الحق حتى على مستوى العلاقات الحياتية اليومية أي بعيدا عن العلاقة السياسية مع الدولة ورجالها ومسئوليها وتجاوز خطوطهم الحمراء.
المناخ الاقتصادي والاجتماعي الثقافي وعلاقته بالمواطنة:
مارس النظام السياسي السوري في عهد البعث برنامجا منظما لربط جميع الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية به وبمركزيته، ونتج عن شبكة العلاقات المتشابكة التي أنشأها ضمن هكيلياته الثلاثة الادراة والامن والجيش والبعث تحالفات معقدة فأصبح من المستحيل أن يقوم صاحب رأس المال بأي مشروع اقتصادي دون مشاركة من فعاليات وأشخاص من الحلقة الضيقة للنظام بالنسبة للمشاريع الكبيرة، ومن أجهزته وعناصره بالنسبة للمشاريع المتوسطة والصغيرة عدا عن كون أي مشروع أو فعالية اجتماعية أو ثقافية إنما تتطلب العديد من الموافقات الامنية والإدارية ما يجعل جميع الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية الثقافية تحت رحمة فساد وبيروقراطية مؤسسات الدولة، وإلى جانب التدجين الممنهج للاقتصاد والاجتماع والسياسة الذي اتبعه الأسد من خلال مؤسساته المبنية بناءا هرميا، فإن المراقب للواقع الاجتماعي والاقتصادي يرى كيف عملت مؤسسات الدولة على استيعاب أكبر كم ممكن من العمالة برواتب تكاد تكون بلا أي قيمة فحولت شرائح كبيرة من الناس وخاصة الوافدين من الأرياف إلى اتباع مذلولين بلقمة عيشهم، مع غياب المشاريع التنموية الفاعلة.
يضاف لما سبق الانتهاكات الثقافية التي طالت بعض المكونات السورية كالأكراد من خلال تغيير أسماء مناطقهم، ومنعهم من تسجيل أسماء أولادهم بأسماء كردية، ومن الاحتفال بمناسباتهم.
الفساد بحد ذاته والذي يعتبر في سوريا من أعلى مؤشرات الفساد عالميا يعد من أخطر انتهاكات المواطنة وحقوق الإنسان، فهو يحول الإنسان بقوة الحاجة للامان النفسي والاجتماعي والاقتصادي إلى كائن غير اخلاقي، ويشرع الأبواب للمتنفذين ماليا وسلطويا لاستعباد الناس وسلب حقوقهم، والفساد في سورية هو نتاج شبكة العلاقات المعقدة التي تحدثنا عنها وتحكم آلية عمل مؤسسات الدولة والترابطات الاجتماعية والاقتصادية الرسمية فيما بينها وفي ارتباطها مع جميع الفعاليات المجتمعية.
حقبة الاسد الابن .. استمرار النهج:
بعد استلام بشار الأسد للسلطة في سوريا رغم انتهاك الدستور الذي عدل بدقائق ليناسب عمره حينها 34 عاما، بدت الحياة الساسية والاقتصادية مقبلة على مرحلة جديدة أكثر انفتاحا ومشاركة وعدالة اجتماعية، فقد وعد في خطاب القسم لأول ولاية دستورية عام 2000 بإحداث نقلة نوعية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقدم برنامجا إصلاحيا رائدا ومتقدما يخال لمن يسمعه بأن سوريا ستصبح خلال سنوات قليلة من أكثر دول العالم تطورا وديمقراطية وتنمية.
وبالفعل شهدت السنوات الأولى لحكمه انفتاحا سياسيا محدودا ترجم بالسماح للمعارضة السياسية بالنشاط العلني وإنشاء المنتديات السياسية، كما أصبحت جمعيات ولجان حقوق الإنسان كيانات لها وجودها في الحياة المدنية السورية، وتراجعت قبضة وسطوة أجهزة الأمن على الشارع السوري لدرجة ملموسة شعر بها حتى المواطن السوري البسيط و تتوجت هذه المرحلة سياسيا بما عرف بربيع دمشق.
لكن هذه الفترة التي عابها أولا عدم إصدار قوانين للأحزاب والجمعيات ما يعني جعلها ناشطة خارج القانون وعلى هامش الحياة السياسية التي يحتكرها النظام، كانت فترة قصيرة لم تتعدى السنوات حيث سارع الأسد إلى إعدامها نهائيا في العام 2005 باعتقال رموز ربيع دمشق وإغلاق جميع المنتديات وشن حملة قمع منظمة للكوادر التابعة لإعلان وربيع دمشق وعادت القبضة الأمنية لسابق عهدها.
نستنتج أن واقع المواطنة في حقبة الأسد الابن لم يتغير وكان استمرارا لمرحلة الأسد الأب بل العكس شهد تراجعا في بعض المجالات فالواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطن شهد تراجعا سافرا عن حالته السيئة أساسا وخاصة مع برامج التحول الاقتصادي من نظام الفساد بملامح اشتراكية إلى نظام الفساد بعنوان اقتصاد السوق، ما ادخل مناطق وفئات اجتماعية واسعة وبشكل مفاجئ في فقر مدقع وباتت على هامش الحياة الاقتصادية الاجتماعية وتراجع واقع الريف بشكل كبير، كما تضررت الطبقة الوسطى المهددة أساسا فتحولت النسبة الأكبر منها إلى الطبقة المعدمة، وبالتالي فإن الإفقار في مرحلة الأسد الابن كان مضاعفا، بمقابل بروز طبقة جديدة من الارستقراطيين الجدد اللذين استفادوا من الفساد عبر السنوات الطويلة ومن التحول المفاجئ وغير المدروس لاقتصاد السوق في مناخ سياسي واقتصادي فاسد وما تبعه من سياسيات إلغاء الدعم الحكومي التي كانت تستر عورة الفقراء في حقبة الاسد الأب.
واقع المواطنة بعد انطلاق الثورة السورية ودستور عام 2012:
لا فائدة منهجية تذكر في الحديث عن واقع المواطنة بعد انطلاق الثورة السورية، ولا عن القوانين والدستور الجديد ومدى تطابقه مع مفاهيم المواطنة الحديثة، فالعنف الذي استخدمه النظام منذ انطلاق الثورة يلغي أي أفق منهجي ممكن للحديث عن واقع المواطنة بين النظرية والتطبيق، هذا رغم صدور قانون للأحزاب والغاء العمل بقانون الطوارئ وصدور دستور جديد يعتبر مقبولا من حيث الشكل وليس الممارسة فالباب الثاني المتعلق بالحقوق والحريات والواجبات جاء مناسبا ومتسقا مع مفهوم المواطنة، وألغيت المادة الثامنة التي تعطي لحزب البعث الحق في قيادة الدولة والمجتمع، وصار يحق لأي مواطن الترشح لمنصب الرئيس حيث تجري الانتخابات بالاقتراع المباشر من الشعب (م 84–86 ) إلا ان الدستور الجديد لم يفصل بين السلطات الثلاثة وأبقى على هيمنة الرئيس على السلطتين التشريعية والقضائية فأعطاه حق حل مجلس الشعب (م 111) وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى (م133) وهو من يعين أعضاء المحكمة الدستورية (م141) ما يعني أن صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور الجديد بقيت واسعة دون ضوابط واضحة، وبقي دور مجلس الشعب في حدود إقرار القوانين والمعاهدات وحجب الثقة عن الحكومة (م75) ولا يحاسب رئيس الجمهورية إلا بتهمة الخيانة العظمى وهو ما يتطلب أغلبية ثلثي مجلس الشعب.
الآثار النفسية والاقتصادية والوطنية لفقدان المواطنة:
1ـ على المستوى النفسي :
يشعر المواطن بفقدان الأمان وبالاغتراب عن وطنه وعدم الانتماء له، ويراكم شعورا بالغبن والاستغلال والانتهاك لأبسط معاني إنسانيته وبالتالي شعورا مكوبتا بالاضطهاد والعزل، ما يدفعه للحقد والرغبة بالانتقام لانسانيته المهشمة والذي يتجلى بأشكال عديدة كالتخريب الذي يقوم به البعض لمرافق الدولة العامة، كما يفعل طلاب المدارس أو تخريب مركبات النقل العامة والخاصة لأنها وسيلة إذلال بطريقة وآليات عملها المتخلفة.
وفقدان المواطنة يفقد الإنسان توازنه النفسي الاخلاقي فيتحول إلى فاعل سلبي بدل أن يكون ايجابيا فشعوره بأن هذا المكان لا يعنيه يخلق لديه مشاعر سلبية اتجاهه ويمنحه المبررات الاخلاقية والقدرة النفسية على التعاطي معه كأنه عدو متربص به، فيصبح قادرا على خيانته بكل الطرق والأساليب المتاحة له.
2ـ على المستوى الاقتصادي والاجتماعي :
عندما يراكم الإنسان هذه المشاعر وهذا الخلل النفسي في بنيته يصبح معطلا على المستوى الاقتصادي الاجتماعي وقدرته على التخريب تتجاوز التخريب المباشر كالامثلة التي تحدثنا عنها سابقا من تخريب مادي لمرافق الدولة والقطاعات الخاصة والعامة، إلى التخريب المنظم وعلى أعلى المستويات كتخريب المؤسسات اداريا واقتصاديا، وكونه يتحول إلى إنسان فاسد فهمه الاول سيتركز على الاستفادة الشخصية والربح من أي فرصة تتاح له بطرق غير شرعية معتبرا هذا الربح حق مشروع له حتى لو جاء بالضرر على المؤسسة التي يعمل بها أو يتبؤ بها منصبا ما، وتتحول علاقته بالآخر إلى علاقة كيدية مبنية على المصالح الشخصية بدل مفاهيم التضامن والتكاتف الاجتماعي .. فيحدث بسلوكه وثقافته انهيارا اقتصاديا واجتماعيا.
3ـ على المستوى الوطني:
يفقد الوطن مكانته وقيمته لدى المواطن، فهذا الوطن لا يحميه ولا يقدم له الأمان والدعم، بل يسرقه ويتبرأ منه ويحوله إلى إنسان بلا قيمة وبلا كرامة، يتعامل معه بعداء واحتقار فيرد له عدائه بعداء وحقد وشعور بالعدوانية المطلقة، ويصبح الانسان سهل الاختراق والتجنيد حتى لو استفاد ماديا من مكان عمل به داخل مؤسسات الدولة أو منصبا تبوئه، فهذا الشعور مكبوت بداخله منذ طفولته، ومن الأيام الأولى لجلوسه على مقاعد الدراسة وهو ليس مرتبطا فقط بعامل مادي مباشر بمقدار ما هو مرتبط بفقدان القيمة والإنسانية والكرامة التي راكمتها الانتهاكات المتعددة على حقوقه وحرياته، بالإضافة لتحول هذا الشعور مع الأيام إلى شعور جمعي أي في الثقافة والوعي الجمعي.
ارتباط غياب المواطنة لفترة طويلة بأحداث الثورة السورية:
من البديهي أن غياب المواطنة هو السبب الرئيسي وراء ثورة المواطن السوري على النظام في سورية , فالمواطن السوري خرج للمطالبة بكرامته أولا , أي بمواطنته اصطلاحا وخرج ليقول كفى تشويها واستغلالا واضطهادا لانسانيتنا .
إلا أن لغياب المواطنة والممارسة الوطنية طوال سنوات حكم البعث نتائج أخرى أثرت سلبا على الثورة السورية نختصرها بالنقاط التالية:
1- البعث والنظام هما الجهة الوحيدة التي مارست السياسة لاكثر من خمسة عقود بينما غيبت الممارسة السياسة عن كامل الشعب السوري أفرادا وجماعات وهو ما انعكس سلبا على أداء المعارضة السياسية والذي اتسم بعدم الخبرة والتخبط في كثير من مراحله.
2- خلَّف غياب المواطنة عن الشارع السوري انشقاقات مجتمعية كان لها تأثيرها السلبي على خلق شعور وطني جامع في لحظة مفصلية بتاريخ سوريا الحديث.
3- غذى غيابها لعقود طويلة النزعات الاقليمية والعشائرية والطائفية والعرقية.
4- تكاثرت في حقبة حكم البعث مافيات الفساد والمال وارتبط المتنفعون بعقلية السلطة وامتيازاتها فكان لهم دورا سلبيا كبيرا في تغذية وتمويل الممارسات الأمنية والشعبية التي مورست ضد الثورة وأبنائها.. ومن هؤلاء تجار كبار وزعماء عشائر ومناطق ورجالات دين.
5- غذى غياب المواطنة لدى المرتبطين بالنظام نزعات الملكية والسيطرة وأحقية وجودهم ووجود امتيازاتهم فكانت الثورة صادمة لهم وجعلت سلوكهم مضطربا وعنيفا ضدها.
6- غذى لدى الأقليات العرقية والدينية مشاعر الخوف والتهديد بوجودهم فكانت ردود فعلهم النكوص نحو الذات والابتعاد عن المشاركة الثورية أو الوقوف ضدها ومحاربتها.
خاتمة:
كنتيجة لا نستطيع تلمس وجود فعلي وحقيقي للمواطنة خلال حكم البعث بمراحله الثلاثة منذ استلامه للسطلة عام 63 ثم مرحلة الاسد الاب ومن ثم مرحلة الاسد الابن ,وهناك ممارسات مباشرة ضد المواطنة كفقدان شريحة كبيرة من المواطنين لجنسيتهم كالمواطنين السوريين الاكراد مكتومي القيد -واللذين حصلوا على الجنسية بعد أحداث الثورة كمحاولة من النظام لتحييدهم عنها-. وكما في حالات اسقاط الجنسية عن المعارضين و التي يمتلك النظام منحها أو سلخها من خلال قنوات الأطر التقليدية التي تهرأت يديها بالتصفيق.
المراجع:
- مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية – د علي خليفة الكواري.
- المجتمع المدني .. المواطنة والديمقراطية – الأستاذة العيدي صونية.
- تاريخ سورية 1920 – 1963 – بسام الخوري.
- حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية من الفكرة القومية إلى ترسيخ السلطوية – د رضوان زيادة.
- سيكولوجية الإنسان المقهور – مصطفى حجازي.
- دستور الجمهورية العربية السورية لعام 1973.
- قانون الانتخابات العامة الصادر عام 1973 وتعديلاته.
- الانتخابات السورية وقائع وأرقام – مقالة لأكرم البني. شبكة فولتير 28 07
- دستور الجمهورية العربية السورية لعام 2012.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات