بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
دروز السويداء: جمر التنازع
  22/07/2015

دروز السويداء: جمر التنازع
مازن عزي


منذ اندلاع الثورة السورية، في آذار 2011، تمكنت الطائفة الدرزية في سوريا، من تجنب الحرب، وحافظت على نوع من السكون النسبي، في منطقة مشتعلة. ومنذ مطلع العام 2015، بدا وكأن الأزمة السورية أرخت بظلالها على الدروز، واقتربت الحرب من مناطقهم في عموم سوريا، بشكل متزامن.
في الأيام الأخيرة، ظهر وكأن الدروز في سوريا يمثلون «بيضة القبان»، وبدا الصراع على كسبهم جلياً بين المعارضة والنظام. فالنظام حريص على إبقاء الدروز إلى جانبه، ضمن «حلف الأقليات» لمواجهة ما درج على تسميته بـ«الخطر التكفيري والإرهابي». في حين أن المعارضة يهمها كسب الدروز إلى جانبها، لكسر السمةِ العامة للانتفاضة السورية، بوصفها «ثورة سنيّة على نظام علوي».
إلا أن الدروز أظهروا مواقف مختلفة، للتحديات التي تواجههم، بحسب مناطق انتشارهم، وعددهم في كل منطقة، والدعم الذي يتلقونه. وعلى الأرض، طوّر الدروز ثلاثة أنواع للتجاوب مع الحدث السوري: من رضوخ كامل لقوى المعارضة الإسلامية كما في ريف إدلب، حيث لا يزيد عدد الدروز عن بضعة آلاف، في ظل غياب كاملٍ لأي قوى خارجية تدعمهم. إلى حالة تشنج كاملة ضد المعارضة الإسلامية، وموالاة واسعة للنظام، كما في منطقة جبل الشيخ -التي تُشكل امتداداً طبيعياً للمناطق الدرزية في الجولان المحتل، وذلك في ظل دعم من قبل «حزب الله» اللبناني ودروز فلسطين والجولان. في حين أن محافظة السويداء، حيث الكتلة الدرزية الأكبر والتي يصل تعدادها إلى 500 ألف نسمة، تشهد حالة من التشتت وغياب التيار السائد.
تقدُّم المعارضة السورية المسلحة، على حساب قوات النظام السوري، في درعا – جنوبي سوريا عند الحدود الغربية للسويداء، جعل دروز السويداء في مواجهة جار جديد، له متطلبات قد لا يتمكنون من تحقيقها. فالقوة المعارضة العسكرية الرئيسية، في سهل حوران، والمعروفة بـ«الجبهة الجنوبية»، باتت تنظر إلى محافظة السويداء كمنطقة حاضنة لقوات النظام، ومنها يتم قصف سهل حوران. انتصارات المعارضة المتتالية، في بصرى الشام واللواء 52، أخرجت قوات النظام من معظم ريف درعا، لتقوم قوات النظام المنسحبة، بإعادة تموضعها في عدد من مناطق جبل الدروز، وباتت تستخدمها كمنطلق للهجمات الصاروخية على ريف درعا. يترافق ذلك مع أنباء عن سحب قوات النظام للسلاح الثقيل، من محافظة السويداء، وإعادة نشره في منطقة الكسوة بريف دمشق الجنوبي، كخط دفاع أول عن العاصمة السورية.
«الجبهة الجنوبية» خلال هجومها الأخير، مطلع حزيران/يونيو، على «مطار الثعلة العسكري» بريف السويداء الغربي، خيّرت دروز السويداء بين أمرين: انتزاع المطار من أيدي قوات النظام والتعهد بعدم استخدامه لقصف ريف درعا الشرقي، أو الوقوف على الحياد أثناء المعركة مع قوات النظام. التعهدات المتكررة لـ«الجبهة الجنوبية» والتي تضم فصائل إسلامية معتدلة، بعدم استهداف الدروز المدنيين، لم تلقَ تجاوباً فعلياً في السويداء. ففضلاً عن عدم وجود قوة درزية قادرة على تحييد قوات النظام عن استخدام المطار وإيقاف المعركة، شاركت مليشيات درزية في الدفاع عن المطار إلى جانب قوات النظام. وبلغ عدد المقاتلين الدروز في المطار حوالى الـ400، ينتمون إلى ثلاث مليشيات مسلحة؛ إحداها تُسمى «حُماة الديار» وهي تابعة لابن شيخ عقل سابق، يحظى بدعم وتمويل من النظام ومن أطراف درزية لبنانية. كما شاركت مليشيا الحزب «السوري القومي الاجتماعي» بقوة في معركة المطار، وسقط لها قتلى، وهي مدعومة من النظام ومن جناح الحزب اللبناني.
في الوقت ذاته، بدا واضحاً أن مجموعة «مشايخ الكرامة» باتت قوة عسكرية لا يستهان بها، وتمكنت هذه المجموعة التابعة للشيخ وحيد البلعوس، من منع سحب النظام لبعض السلاح الثقيل من المحافظة، وأصدرت مواقف على لسان الشيخ بلعوس تُنهي حالة التجنيد الإجباري. وكانت أجهزة النظام الرسمية، قد بدأت حملة مركزة لحض أبناء السويداء على التجنيد الإجباري، بالتزامن مع معركة مطار الثعلة. وتمّ ذلك، وسط جو من التخويف والإشاعات عن قيام «جبهة النصرة» بقيادة العمليات المعارضة في معركة المطار.
يأتي ذلك وسط مقاطعة كبيرة جداً في أوساط شباب الدروز للخدمة العسكرية، تجاوزت 27 ألف متخلف عن أدائها. ما دفع رئيس الهيئة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز، شيخ العقل الأول حكمت الهجري، الموالي للنظام، إلى إصدار بيان -خلال معركة مطار الثعلة- يدعو إلى الالتحاق بالخدمة الإلزامية، وسط وعود بتنفيذها ضمن حدود المحافظة. وتجاوب فقط المئات من الشباب، مع دعوات مشيخة العقل، التي نقلتها سيارات تحمل مكبرات الصوت في مدينة السويداء وأريافها. لكن الشباب فوجئوا عند حضورهم في معسكرات التجميع، بأن خدمتهم العسكرية تتضمن القتال في خطوط متقدمة ضمن وحدات عسكرية تابعة للواء 52 في درعا، ما تسبب في حدوث حالة انشقاق للعشرات، الذين عادوا ووجدوا طريقهم إلى مجموعة«مشايخ الكرامة».
ترافقت معركة المطار، مع رشقة من قذائف الهاون، طاولت مدينة السويداء، واعتقلت مليشيا درزية موالية للنظام، مجموعة من البدو، واتهمتهم بإطلاق الهاون. وبعد أيام، قُتل ثلاثة من البدو المعتقلين، ما أثار حالة من الرعب، بين عشائر البدو التي تقطن أطراف مدينة السويداء الشمالية والشرقية، وتسبب في نزوح جماعي إلى ريف درعا. تمّ ذلك وسط اتهام «مشايخ الكرامة» لأجهزة النظام الأمنية، وخاصة جهاز الأمن العسكري، بتدبير عملية القصف بالهاون، ومن ثمّ قتل البدو، لإشاعة التوتر والفتنة في المدينة والإساءة للنسيج الوطني في المحافظة. وعلى الرغم من أن «مشايخ الكرامة» هاجموا البدو، مراراً، في خطابهم، بتهمة التنسيق مع جهاز الأمن العسكري، والوقوف وراء حوادث الخطف التي طاولت الدروز، في خطوط التماس مع درعا، إلا أن البلعوس رفض تهجير البدو بعد قتل ثلاثة منهم، واجتمع مع زعمائهم، وطلب منهم العودة. وقد أصدر «مشايخ الكرامة»، أثناء معركة مطار الثعلة، بياناً شديد اللهجة، يطلب فيه من الدروزاعتقال رئيس «فرع الأمن العسكري» في المنطقة الجنوبية، العميد وفيق ناصر، «مدنياً»، بسبب ما قالوا إنه محاولاته المتكررة لإيقاع الفتنة بين الدروز وجيرانهم في درعا، أو بين الدروز أنفسهم.
قبل أيام من معركة مطار الثعلة، أقدم عناصر من «جبهة النصرة» على اقتراف مجزرة بحق سكان عزّل في قرية قلب لوزة الدرزية بريف إدلب شمالي سوريا. الأمر الذي أثار ردود أفعال غاضبة، تجاه «جبهة النصرة»، التي تسيطر على مناطق الدروز في جبل السماق بريف إدلب. «النصرة» أعلنت أنها اعتقلت مجموعة الأمير التونسي أبو عبد الرحمن، التي قتلت 24 درزياً في القرية، وقالت إنه سلوك فردي حصل من دون الرجوع إلى أمراء الجبهة، ووعدت بإجراء تحقيق ومحاكمة المتهمين وفق الشرع الإسلامي. وقد حلّت مجموعة من «حركة الشام الإسلامية» مكان «جبهة النصرة» في قرى جبل السماق، وسط وعود بعدم التعرض للدروز مجدداً. الاستنكار الواسع من قبل المعارضة السورية للجريمة، لم ينجح في خفض المخاوف، لدى أبناء الطائفة، مما قد يلحق بهم على أيدي التنظيمات المتطرفة، خصوصاً أن «جبهة النصرة» كانت قد أعلنت على لسان أميرها أبو محمد الجولاني، أنها تريد «تصحيح الأخطاء العقدية في مذهب الدروز»، وأرسلت لهم دعاة لتوجيههم إلى الإسلام الصحيح.
دروز إدلب كانوا قد رضخوا لسيطرة الفصائل الإسلامية المتشددة، وأعلنوا «توبتهم» عن مذهبهم الدرزي، وأشهروا إسلامهم، تحت تهديد السلاح. في حين أن دروز السويداء، ينقسمون فعلياً إلى ثلاثة تيارات رئيسية، أحدها موالٍ للنظام، والآخر معارض له، وبينهما يعلو صوت أكثرية انعزالية تطالب بالحياد في الصراع بين السنّة والشيعة، وقد لا تمانع نوعاً من الاستقلال الذاتي.
على العكس من ذلك، يبدو دروز القنيطرة، في قرى جبل الشيخ عند الحدود السورية-الإسرائيلية، أكثر تخوفاً من المعارضة الإسلامية، وتسود بينهم حالة واسعة من التأييد للنظام السوري، في ظل وجود مليشيات مسلحة لديهم، يمولها ويدربها «حزب الله» اللبناني. دروز جبل الشيخ، لديهم قنوات اتصال مع دروز فلسطين ولبنان، خصوصاً مع أشقائهم في الجولان السوري الذي تحتله اسرائيل. ويسود في هذه المناطق تخوّف بالغ، من المعارضة الإسلامية السنيّة، التي عجزت عن تهدئتهم وتطمينهم. وقد يكون ذلك بسبب بُنية بعض فصائل المعارضة الإسلامية، التي تعتنق السلفية الجهادية وتنظر إلى الدروز كمُرتدّين يجب قتالهم.
وقد أسهمت المخاوف من تعرض دروز بلدة حضر في سفح جبل الشيخ، والتي تحاصرها فصائل المعارضة، لمذبحة مشابهة لما حدث في قلب لوزة، إلى تهجّم مجموعات من دروز فلسطين والجولان السوري المحتل، على سيارات إسعاف إسرائيلية تُقل مصابين من المعارضة السورية. وإذا كان الجولان السوري، وقُراه الدرزية التي تضم 20 ألف نسمة، قد خضع للاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، إلا أن أبناءه رفضوا مشروع الهوية الإسرائيلية منذ العام 1981، وتسود بينهم حالة عالية من الوطنية السورية. دروز الجولان، الذين لطالما وجدوا في سوريا وطنهم السليب، استفاقوا على واقع جديد، يتمثل في تداعي الدولة المركزية السورية، وسيطرة المعارضة السورية على مساحات واسعة من ريفي درعا والقنيطرة المجاورَين لحدود الجولان. أمام هذا الوضع المتغيّر، راقب دروز الجولان حصار المعارضة، المعروفة بـ«جيش الحرمون» و«الجبهة الجنوبية» لبلدة حضر، ومساعدة الحكومة الإسرائيلية لجرحى المعارضة السورية. حالة الخوف المتزايدة على أشقائهم في الدين، دفعت دروز الجولان إلى رفع سقف الاحتجاجات ضد الحكومة الإسرائيلية، بغرض الضغط عليها، للتدخل عسكرياً ضد المعارضة السورية المسلحة.
في المقابل، فإن دروز فلسطين الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية، وجدوا في ما يحدث في سوريا، فرصة حقيقية، لاستعادة علاقات شعبية انقطعت مع أشقائهم منذ قيام دولة إسرائيل العام 1948. دروز فلسطين البالغ تعدادهم 110 آلاف نسمة، وجدوا في انبعاث تلك العلاقة القائمة على أساس مذهبي، سنداً لهم، في ظل «العزلة» التي يعيشونها ضمن المجتمع الإسرائيلي.
ويُعزى جزء من تعاظم مخاوف دروز الجولان وفلسطين، على دروز سوريا، إلى التحريض الذي غذّاه موالون للنظام السوري في صفوفهم. وجزء آخر، يُعزى إلى عدم قدرة «الجبهة الجنوبية» على تطمين الدروز بأن بلدة حضر ليست هدفاً في المعارك الدائرة مع قوات النظام بريف القنيطرة. كما ترافق ذلك مع لهجة تحذيرية مرتفعة لـ«جيش الحرمون»، هدد فيها أهالي حضر من الزج بأبنائهم في المعارك إلى جانب قوات للنظام. فعلياً، لم تنفع تلك الدعوات والتهديدات، فالمليشيات الدرزية من أبناء حضر، تقاتل بفاعلية إلى جانب قوات النظام.

خيارات صعبة
يواجه دروز سوريا اليوم، ثلاثة خيارات صعبة: فإما الاندماج في المحيط العروبي السنّي ومواجهة النظام، وهو ما يدعو إليه الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط. أو الاصطفاف مع النظام في معركته ضد الغالبية السورية، أي الانخراط في حلف الأقليات، وهو ما يدعو إليه شيخ العقل الأول في السويداء حكمت الهجري. أو الحياد، وعدم الانخراط في المعركة بين السنّة والشيعة، وتحويل السويداء إلى واحة ضمن خريطة المشرق الملتهب، وهو ما يدعو إليه زعيم «مشايخ الكرامة» وحيد البلعوس.
ثلاثة خيارات، قد لا يبدو أي منها قابلاً للتطبيق، في ظل وجود مصالح متنافرة، وتدخلات دولية وإقليمية. وإذا كان الدروز قد حافظوا على مسافة أمان، من نار الحرب السورية، وتخلّف أبناؤهم عن الخدمة العسكرية في قوات النظام السوري، إلا أنهم لن يتمكنوا من منع قوات النظام من استهداف ريف درعا بالصواريخ انطلاقاً من أراضيهم. وليس بمقدورهم إزاحة النظام من السويداء، في ظل تمويله وتسليحه لمجموعة كبيرة من المليشيات العسكرية الدرزية، وأهمها «الدفاع الوطني» أو «درع الجبل» والذي يضم حوالي ألف مقاتل يحملون بطاقات تعريف عسكرية، وبطاقات إذن بحمل السلاح صادرة عن وزارة الدفاع السورية. كما أن اعتماد السويداء، شبه كلّي على حكومة دمشق، في التموين بالغذاء والوقود والخدمات الرئيسية، عبر طريق دمشق-السويداء.
الخيارات تزداد صعوبة، مع تدخل دروز فلسطين والجولان من جهة، ودروز لبنان من جهة أخرى، والمساعدة في التمويل وشراء السلاح، ما يجعل القرار الداخلي، شبه مستحيل، في ظل وجود إرادات الممولين. كما أن محاولات إيران للتقرب من الدروز، مذهبياً، بوصفهم منشقين عن أحد فروع المذهب الشيعي، تلاقي صدى داخلياً لها، من خلال حملات التسليح والتدريب التي ينظمها «حزب الله»، تحت مسمى «حزب الله السوري» أو «لبيك يا سلمان».
المعارضة السورية بدورها، وعبر «الجبهة الجنوبية»، تحاول التقرب من الدروز، وأصدرت العديد من البيانات التطمينية لهم، بل إنها أعلنت استعدادها للدفاع عن الدروز في وجه تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يهاجم المحافظة انطلاقاً من مناطق بير قصب والقصر في الشمال الشرقي. علماً أن مجموعات من تنظيم «الدولة» تسللت إلى منطقة اللجاة، الفاصلة بين السويداء ودرعا، وشنّت هجمات على مناطق نفوذ «الجبهة الجنوبية» في اللجاة، انطلاقاً من مناطق تقطنها عشائر من البدو بايعت التنظيم بشكل سرّي. ورغم أن المعارضة السورية المسلحة في درعا، هاجمت «داعش» في اللجاة، وأعلنت رفضها الإشتراك مع «جبهة النصرة» وأي فصائل إسلامية تحمل فكراً متطرفاً، إلا أنها لم تتمكن من تشكيل شارع مناصر لها في السويداء. ومؤيدو «الجبهة الجنوبية» اليوم، هم في غالبيتهم ممّن تبقوا من المعارضة السلمية «الدرزية» للنظام، والذين يرون في «الجبهة الجنوبية» أفضل نموذج يُمكنهم التعايش معه، من بين القوى المسلحة المعارضة للنظام.
وفي ظل وجود مجموعات مسلحة متعددة ضمن السويداء، يبلغ عددها ثماني مجموعات، فإنها تبدو متنافرة أحياناً، ويسود بينها التنسيق أحياناً أخرى. ففي معركة قرية الحقف، وقفت المليشيات الدرزية كافة إلى جانب بعضها البعض، رغم تنوع ولاءاتها، لمواجهة هجوم من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية». إلا أن التوتر بينها كان عالياً، خلال معركة مطار الثعلة، حيث حاول «مشايخ الكرامة» منع بقية المليشيات من التدخل إلى جانب قوات النظام، لكنهم لم يتمكنوا من فرض ذلك، خصوصاً في ظل التحشيد المذهبي الذي قام به الوزير اللبناني الأسبق وئام وهاب، والنائب اللبناني طلال أرسلان، الدرزيان المواليان لمحور الممانعة الذي يضم النظام السوري وإيران.
 
مصادر الأزمة الداخلية لدروز السويداء
قد يبدو للخارج بأن الدروز كتلة واحدة، إلا أنهم تعرضوا خلال السنوات الأربع الماضية، لحالة من التشتت وغياب القرار الجامع. وإذا كان الدروز يُمثلون طائفة متماسكة غريزية، إلا أنهم تعرضوا لحالة فرز عنيفة، بناء على التحول الذي نقل الثورة الشعبية ضد النظام السوري إلى حرب أهلية.
ويعود جزء من الانقسام الداخلي، إلى أسباب عميقة، تجد جذورها في حالة التهميش السياسي الذي عاشوه، بعد وصول حزب «البعث العربي الاشتراكي» إلى سدة الحكم في سوريا. وذلك بعدما عاشوا زمناً ذهبياً في ظل الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي، وفي عهد دولة الاستقلال.
فالدروز خاضوا حروباً طويلة، منذ سكنهم الجبل، بالتتابع مع غزوات جيوش محمد علي باشا المصري، والعثمانيين، والفرنسيين. وتمكنوا رغم قلة عددهم، وبالاستناد إلى موقع الجبل ووعورته من جهة، ولُحمتهم القبليّة-المذهبية من جهة أخرى، من الحفاظ على بقائهم، وتكريس وجودهم بالقوة.
أعلن دروز السويداء، بقيادة سلطان باشا الأطرش، رفضهم «دولة جبل الدروز» التي أقامها الانتداب الفرنسي، وأطلقوا الثورة على الفرنسيين، رافضين تقسيم سوريا. الثورة السورية الكبرى 1925-1927، ساهمت في صنع الاستقلال السوري. والانجاز الأكبر لها، رغم الخسائر البشرية الهائلة في صفوف الأقلية الدرزية، كان اندماجاً للطائفة في دولة الاستقلال، من بابها الأوسع: الوطنية السورية. كما ساهم الدروز في تشكيل الخريطة السياسية لسوريا ما بعد الاستقلال، وانخرطوا في الحياة الحزبية السياسية، وباتوا، رغم أن عددهم الذي لا يتجاوز نسبة ثلاثة في المئة من تعداد السوريين، لاعباً أساسياً في سوريا الحديثة.
وفي طور تشكيل الدولة الشمولية، في عهد حزب البعث العربي الاشتراكي، بدأ تحجيم الدروز انطلاقاً من الحزب، بعد تصفية نفوذ «اليساريين» من جماعة «القيادة القطرية» ذات الغالبية الدرزية بين العامين 1964-1965. الاستقطاب الطائفي العلوي-الدرزي ساد تنظيمات حزب البعث، منذ العام 1966، وما لبث أن اندلع النزاع بينهم، بعدما خاض الرائد الدرزي سليم حاطوم عملية انقلاب فاشلة في أيلول/سبتمبر 1966، نتج عنها رفض قيادة الحزب والجيش لمطالب الانقلابيين وإرسال وحدات عسكرية تضم كتيبة الصواريخ للسويداء، والتهديد بقصف عاصمة المحافظة 1 ، وبُعيد الانقلاب الفاشل وحتى منتصف السبعينيات، كاد الوجود الدرزي في القيادات العسكرية والمدنية لحزب البعث، يقترب من الصفر. هذا بالإضافة إلى حركة تسريح واسعة طاولت الضباط الدروز، وأحكام الإعدام التي صدرت بحق خمسة من قيادييهم، والتي نفذت فعلياً بالرائد حاطوم في حزيران/يونيو 1967.
في عهد الرئيس حافظ الأسد، دخلت السويداء، كما بقية المحافظات السورية، مرحلة طويلة من التهميش والتعتيم. وفي حين توقفت عقارب الزمن بالنسبة إلى الحراك السياسي والنشاط الحزبي، وتراجع نفوذ الزعماء التقليديين، وخفَتَ صوت المجتمع المدني، توسّع التنسيب إلى حزب البعث. ذلك النشاط على مستوى القواعد، لم يقابله أي تمثيل حقيقي ذي صلاحيات على مستوى قمة الهرم في النظام.
مقتل الزعيم الوطني الدرزي كمال جنبلاط في لبنان، العام 1977، ثم وفاة الزعيم التاريخي لدروز سوريا سلطان الأطرش، العام 1982، أفقد الطائفة القيادة الجامعة، وبدا الدروز بعدهما بلا زعامة واضحة.
في تشرين ثاني/نوفمبر 2000، وبُعيد الانتقال السلس للحكم إلى الرئيس بشار الأسد، اندلع نزاع بين الدروز والبدو على خلفية تعديات كبيرة نفذها البدو على المراعي. قتل البدو المسلحون والمدعومون أمنياً، أحد الشباب الدروز، فاندلعت مظاهرات في المحافظة، تدخل فيها الجيش، وأطلق النار على المتظاهرين العزّل ما تسبب في مقتل العشرات. قوات الأمن اعتقلت المئات، وطوّقت السويداء، ومنعت الناس دخولها والخروج منها.
منذ بدء الثورة السورية في آذار/مارس 2011، شاركت المعارضة في السويداء، بقوة، في النشاطات السلمية المناهضة للنظام. لكنها لم تنجح في الانتقال إلى حالة شعبية، وظلت محصورة في أوساط المثقفين والمعارضة السياسية. النظام تعمّد عدم مواجهة المتظاهرين الدروز بالقوة المفرطة، كما فعل في المحافظات ذات الغالبية السنية، ولم يتجاوز عدد القتلى تحت التعذيب، العشرات من نشطاء الدروز. الأمر نجح في تحجيم الاحتجاجات، وتخويف الشباب المتحمس، الذي وجد بطريقة أو بأخرى، منافذ للرحيل خارج المحافظة.

الشيخ وحيد البلعوس
ومنذ بداية العام 2013، بدا أن الهمّ الرئيسي للدروز يتمحور حول إيقاف «التجنيد الإجباري»، أو حصر الخدمة العسكرية للدروز ضمن محافظة السويداء. والخدمة العسكرية في سوريا، هي إلزامية على كل من بلغ الثامنة عشرة من الذكور، وتمتد لعام ونصف في الأحوال الطبيعية. لكن منذ بداية الأحداث، احتفظت قوات النظام بمجنديها، ومنعت عنهم التسريح بعد انقضاء مدة خدمتهم. كما طلبت جنود الاحتياط لتعويض النزيف الحاد الذي تعرضت له القوات المسلحة أثناء المعارك، أو نسب التهرب العالية من الخدمة، أو بسبب الانشقاقات الكبيرة التي تعرضت لها. النظام حاول تعويض خسارته البشرية، من المقاتلين السنّة، بزيادة تجنيد الأقليات. ومع حلول العام 2015، تجاوز عدد القتلى الدروز في جيش النظام، الـ1500 مقاتل.
وعلاقة الدروز السيئة مع التجنيد الإجباري، تعود إلى بدايات سكنهم في جبل العرب مطلع القرن السادس عشر، حيث خاضوا معاركَ عنيفة مع جيوش والي مصر والشام، محمد علي باشا، في العام 1837، رفضاً للجندية الإجبارية. كما نشبت معارك بينهم وبين العثمانيين خلال خمسينيات القرن التاسع عشر، وسنوات 1895 و1897، حتى رضخت السلطات العثمانية لاحقاً، وأعلنت العفو عن الدروز واستثنائهم من التجنيد. وحدها حملة حكومة «الاتحاد والترقي»، في العام 1910، تمكنت بعد مقاومة عنيفة، من أخذ نحو 1250 شاب درزي للخدمة العسكرية. ما زرع أحقاداً عميقة في صدور الدروز، الذين سرعان ما استغلوا اندلاع الحرب العالمية الأولى، ودخول تركيا فيها إلى جانب دول المحور، حتى انضموا إلى قوات الثورة العربية الكبرى ضد السلطنة العثمانية، والتي انطلقت من الحجاز.
ذاكرة الدروز ومرويّاتهم، لم تنس تلك الأحداث، واليوم تتم استعادتها على نطاق واسع، فالإشكاليات المتعلقة بالتجنيد الإجباري، صارت الأزمة الكبرى التي تعانيها المحافظة، وأحد مصادر التهديد الدائم للاستقرار فيها. ففي مطلع العام 2015، هاجم الأهالي شعبتي تجنيد مدينتي شهبا وصلخد، وأطلقوا سراح معتقلين مطلوبين للخدمة العسكرية. بعدها بأيام، حاول حاجز للمخابرات الجوية، اعتقال أحد ركاب حافلة، بتهمة التخلف عن الخدمة العسكرية، وعندما احتج الأهالي، بادر عناصر الحاجز بإطلاق النار على الحافلة.
هاجم «مشايخ الكرامة» الحاجز، وطردوا عناصره، وهدموه. وعادت السلطة ونصبت حاجزاً غيره يتكون من عناصر درزية من مليشيا يديرها فرع الأمن العسكري، قبل أن يُعاد تسليم الحاجز إلى الفرقة 15 من ملاك «القوات الخاصة» التابعة لجيش النظام. وفعلياً حاذر الطرفان من استخدام العنف، وظهر بشكل واضح عند هذه المرحلة تقدّم الحامل الديني للحراك المجتمعي، وغياب الحامل السياسي المقترن بالمعارضة المدنيّة.
خلال الشهور الستة الأولى من العام 2015، سُجلت حالات عديدة، من تهجم الأهالي على مراكز الشرطة العسكرية وشُعب التجنيد، وقيامهم بتحرير أبنائهم الذين يُعتقلون عند الحواجز، بغرض تجنيدهم للخدمة العسكرية الإلزامية. مؤسسات الدولة السورية الأمنية في السويداء، بدت وللمرة الأولى في تاريخ حكم نظام البعث، قابلة للتفاوض مع الناس، وغير راغبة في أي تصعيد.
من جانب آخر، فإن بُنية «مشيخة العقل»، كمؤسسة دينية ناظمة لشؤون الدروز، وعدم قدرتها الراهنة على تشكيل تيار درزي سائد، كانت بدورها إحدى المشاكل التي يعانيها الدروز اليوم. ويهيمن شيخ العقل الأول، حكمت الهجري، على «مشيخة العقل» في السويداء، وهو يضع كامل ثقله خلف مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية. الأمر الذي تسبب في تصدّع في المواقف، بينه وبين شيخي العقل الآخرين الحناوي وجربوع. وإذا كان شيخ العقل الثاني، يوسف جربوع، ميالاً إلى النظام، رغم أنه أصدر فتوى تتبرأ من المدنيين المقاتلين في صفوف قوات النظام (شبيحة) خارج حدود محافظة السويداء، فإن شيخ العقل الثالث حمود الحناوي، ظل يراوح بين المعارضة والنظام، مبقياً على قنوات مفتوحة للتواصل مع المعارضة السورية، مع عدم القطع مع النظام.
تفاقمت مشكلة مشيخة العقل، بعد إصدارها قراراً بـ«الحرم الديني» على الشيخ البلعوس، إثر تسرب مقطع فيديو يظهر فيه البلعوس متحدثاً بطريقة سلبية عن رئيس النظام السوري، بحضور شيخ العقل الثالث حمود الحناوي. واتهم البلعوس السلطات السورية بخيانة الدروز، وأكمل، موجهاً كلامه للأسد: «اذا كان لا يستطيع حمايتنا. نحن لا نريده. سنذهب إلی القصر الرئاسي لنسقطه».
بعد أيام قليلة، صدر بيان عن شيوخ العقل الثلاثة، يُطبقون فيه «الحرم الديني» على البلعوس وأتباعه، ويُعلنون «إبعاده دينياً»، وذلك بناء على «تكرر الحوادث المخلة بالدين وآداب الحياة والبعيدة كل البعد عن الأعراف الدينية». ويتضمن «الإبعاد الديني»، حرمان «مشايخ الكرامة» من حضور مجالس رجال الدين وممارسة طقوسهم وشعائرهم، وهو أشبه بـ«الحرمان الكنسي». شيوخ العقل الثلاثة، كانوا قد أصدروا بياناً قبل ذلك يضع خطوطاً حمراء، تستوجب عدم التعرض لـ«الوطن وقائد الوطن، الدولة ومؤسساتها، والجيش العربي السوري». كما أن توقيع مشايخ العقل الثلاثة على قرار الحرم، يوحي بوجود ضغط حقيقي مارسه النظام للتخلص من البلعوس، يمازجه تخوّف فعلي من قبل القائمين على مشيخة العقل، تجاه شارعهم الديني، الذي بدأ ينفض عنهم، ويقترب من خطاب «مشايخ الكرامة».
«هيئة علماء الموحدين المسلمين الدروز» التابعة لـ«دار العبادة والثقافة» في محافظة السويداء، أصدرت بياناً يرفض قرار «مشيخة العقل» بحق البلعوس، ويعتبره غير جائز دينياً. واعتبرت «الهيئة» أن بيانات مشيخة العقل، «تحاك على نول واحد، ظاهرها وطني ومضمونها نفعي سياسي. أما العامل الديني فلا يدخل في نسيجها». وأعلنت عدم التزامها بتنفيذ قرار «البعد الديني»، ودعت الجميع إلى عدم التقيد به، لأن السبب المطلوب المعاقبة عليه هو سياسي وليس دينياً. كما صبّت الزيت على النار، حين أعلنت بأن «مشيخة العقل» غير مؤهلة لإصدار «البعد الديني»، لأنها «غير شرعية أو منتخبة، ولا تستمد شرعيتها من الطائفة وقواعد معتقدها».
وينقسم المجتمع الدرزي، تاريخياً، إلى قسمين رئيسيين: العقّال والجهال، أي إلى مجموعتين: دنيوية وروحية. ويعود ذلك إلى طبيعة المذهب الدرزي الباطنية، حيث يُفضل بقاء أسرار المذهب محصورة في مجموعة صغيرة، تنقسم بدورها إلى طبقات بحسب درجة التدين. وفي هذا الفصل الحاسم بين الفضاءين، ربما يكمن سر بقاء هذه الجماعة عبر القرون 2 . إذ اكتفت المجموعة الدينية المغلقة، ضمن المجتمع الدرزي المنغلق بدوره على ذاته، بالاهتمام بالشأن الروحاني، وقلما تدخلت في مجريات الحدث السياسي. فتركُ الشأن اليومي، وأمور الطائفة الدنيوية، في أيدي زعماء العائلات الكبرى التقليديين، أتاح حيزاً للانفصال بين المجموعتين.
لكن، ومع تعرض الدروز لأحداث تاريخية جسيمة، واضطرارهم لمواجهة قرارات حاسمة تتعلق بوجودهم، بدأ نوع من «التجسير» بين المجموعتين. ويعود أول ظهور لمنصب «شيخ العقل»، إلى مرحلة نظام الملة التركي، حيث يغلب الظن بأن يكون التكون التاريخي لهذا المنصب قد تطور من صيغة ناطق باسم مجموعة «العقال» 3 . وتطورت العملية بحيث بات في جبل الدروز اليوم، ثلاثة مشايخ عقل، من ثلاث عائلات، يتم توارث المنصب ضمنها.
التداخل بين الفضاءين الروحي والدنيوي لدى الدروز، ممثلاً في مشيخة العقل في الجبل، كان، كما يُظهر التاريخ، في حالة أزمة تهدد الجماعة والدين، وفي ظل غياب زعامة دنيوية تجمع جمهور الطائفة خلفها. لكن مشيخة العقل، تعرضت اليوم لتصدع، بما يوافق الانقسام المجتمعي الحاد الذي أفرزته الثورة السورية.
الشيخ وحيد البلعوس، طالب بإصلاح ديني، ودعا إلى قيام مجلس مذهبي ينظم شؤون الطائفة، يُنتخب مشايخُه بحسب مرتبتهم الدينية وبلا تدخل من غيرهم. الدعوة لإنشاء مجلس مذهبي لإدارة شؤون الطائفة، ظهرت في البيان علناً، وللمرة الأولى، بعدما طالب به قطاع واسع من الهيئة الدينية منذ العام 1995. لكن النظام دأب على رفضه، وربط الموافقة عليه بمكتب خاص يتبع لرئاسة الجمهورية. والمجلس المذهبي يأخذ من صلاحيات شيخ العقل، شطرَها «الدنيوي»، ويترك له متابعة القضايا الدينية وتمثيل الطائفة لدى الحكومة، كما هو الحال في لبنان.
وما يلفت الانتباه في حركة «مشايخ الكرامة»، بزعامة الشيخ وحيد البلعوس، أنها لم تنحصر في مجتمع الدروز المتديّنين، ما يشير إلى استعادة نوع من الحراك الشعبي الفاعل، على الضد من إرادة النظام، حتى وإن لم يكن موجهاً بالكامل ضد النظام. التحاق مجندين في مليشيا «الدفاع الوطني» بحراك المشايخ، أشار إلى قوة العقد الاجتماعي الدرزي، واستمراريته، رغم محاولات السلطة تشكيل كيانات موازية، طيلة عهد حكم البعث. انشقاق مجموعة من الدفاع الوطني، ومجموعة من المجندين في قوات النظام، للالتحاق بـ«مشايخ الكرامة»، يؤكد قوة الولاء للقوى الاجتماعية الدرزية. 4
وتغلب على جماعة المشايخ المنتفضة، صفات ثلاث: الطابع الإحيائي الأصولي فكريّاً، والفتوّة عمريّاً، والتهميش اجتماعياً. وقد تمكنوا من رفض التماهي الكلّي مع الرغبات الأمنية وجهاز السلطة، وهذا ما لم تستطع تحقيقه القيادة الروحية من المشايخ التقليديين. وإذا كانت حركة البلعوس لم توجه ضد النظام بالكامل، إلا أنها بدأت ترسم قطيعة مع المؤسسة الدينية الرسمية «مشيخة العقل». أتباع البلعوس بدأوا يخاطبونه بـ«شيخ الكرامة»، وفي هذا تحدٍ واضح لشيوخ العقل.
 


لا يمكن التكهن بما ستؤول إليه الأوضاع في السويداء، مع وجود عدد من المشاريع المتنافسة، المحلية والإقليمية، لكسب ودّ الدروز أو تهديدهم. إلا أنه يمكن استقراء المقبل من الأحداث، بالاستناد إلى الأوضاع الراهنة. فدروز السويداء اليوم، لم يحسموا أمرهم بعد بالانحياز إلى طرف واضح في الصراع. ويبدو بأن الصوت الانعزالي الداخلي، بات الصوت الأعلى، مطالباً بالحياد بين المتقاتلين، وتجنيب السويداء ويلات الحرب الأهلية.
دروز لبنان وفلسطين، يمثلون عقبة رئيسية، في وجه تبلور صوت داخلي لدروز السويداء، لصالح الضغط المستمر في اتجاه أحد طرفي النزاع السوري. ففي حين ينحو وليد جنبلاط للاستثمار في علاقة جيدة مع المحيط الإسلامي السني، يحاول الوزيران اللبنانيان الدرزيان السابقان، وئام وهاب وطلال أرسلان، الدفع في اتجاه التحالف الكامل مع النظام السوري. هذا الدفع غالباً ما يرافقه تمويل وإمداد بالسلاح، وإنشاء لمليشيات درزية، تتعلق مواقفها بأجندات الممولين.
النظام اليوم، يبدو طرفاً مستعداً للتفاوض مع دروز السويداء، بل قد يقدم تنازلات فعلية، لصالح تعزيز نوع من الحكم الذاتي مخفف الصيغة. يظهر ذلك في السماح بنشر حواجز لمليشيات درزية تحمل رايات وشعارات طائفية، ودعم النظام لظهور قادة ميدانيين وزعماء محليين موالين له. في الوقت ذاته، لم يُقدم النظام على تقديم تنازلات صعبة، كان قد طالب بها «مشايخ الكرامة»، مثل إقالة رئيس فرع الأمن العسكري. ما يوحي بإمساك النظام للعصا من منتصفها، وبقائه مُحركاً رئيسياً للأحداث في السويداء. كما أن فشل المعارضة السورية المسلحة في اقتحام مطار الثعلة، ساهم في دعم مواقف المليشيات الدرزية المؤيدة للنظام، التي روجت لهزيمة المعارضة كانتصار عسكري لها.
وفي حال تطورت الأمور بطريقة سلبية بالنسبة للنظام، واضطر للانكفاء وسحب منظومته العسكرية دفاعاً عن دمشق، فقد يبدو ذلك سيناريو مقلقاً لدروز السويداء. فعلى الرغم من وجود مليشيات درزية مسلحة، إلا أنها لم تخض معارك فعلية لوحدها، مع أطراف سورية أخرى، تمرّست خلال السنوات الماضية في القتال. كما أن انهياراً أو انسحاباً غير محسوب للنظام في المحافظة، قد يُعرضها لحالة من الفوضى، والتقاتل الداخلي بين المليشيات المسلحة.
وفي كل الأحوال، قد تلعب مواقف الدول والأطراف الإقليمية، دوراً في زيادة التوتر الداخلي لدى دروز السويداء، ما قد يدفع إلى حالة من التصادم الداخلي، بين المليشيات الدرزية المسلحة، في معرض محاولة كل منها الهيمنة على الساحة الداخلية للمحافظة، في ظل استعصاء الحل السياسي في سوريا.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات