بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
كيف تخبئ الرأسمالية أموالها الفاسدة؟!
  28/05/2016

 

كيف تخبئ الرأسمالية أموالها الفاسدة؟!

 محمد رمضان

في بداية التسعينيات – أو ما عرف بعصر التشكل النهائي لمشروع العولمة – والذي كان فية 800 مليون نسمة على هذا الكوكب يبحثون عن ملاذ آمن من المجاعة والفقر وسوء التغذية والأوبئة في أفريقيا وآسيا، كانت السلطة الحاكمة في العالم تحاول أن تضع خطة بديلة لكيفية استثمار أموالها، كان هؤلاء في الوقت القريب يحاربون غسيل الأموال وينفقون المليارات من أموال دافعي الضرائب من العمال والطبقة الوسطى على إنشاء أجهزة لمحاربة غسيل الأموال. اتضح فيما بعد أنهم يغسلون أموالهم كذلك. مع العام 2014 كانت هناك مؤشرات حول تحقيق صحفي استقصائي كبير على مستوى العالم اشترك فيه عدد من الصحفيين المستقلين، وفي مارس 2016 سلم هؤلاء تقريرًا سريًّا للمؤسسة الدولية للصحافة الاستقصائية، هذا التقرير يضم مراسلات وأوراقًا قانونية ومحاسبية لما يزيد عن 72 زعيمًا من زعماء العالم، ورجال أعمال ورياضيين مشهورين، التقرير ليس الأول من نوعه لكنه الأكبر في التاريخ حيث ضم 11 مليون وثيقة تتنوع بين أوراق مراسلات وتقارير شخصية عن النشاط الاقتصادي لهؤلاء الأشخاص.

إذن لماذا هي أموال فاسدة؟!

بداية، هناك فرق جوهري بين نظم الضرائب في الدول النامية والدول المتقدمة، فكما يوضح موقع البنك الدولي فالدول المتقدمة (الولايات المتحدة، أوروبا الغربية، اليابان) تمتلك نظمًا ضريبية تتمتع بدرجة كبيرة من الشفافية، بحيث تكون أولوية لها مكافحة التهرب الضريبي. ولكن يبدو أنه يمكن غض الطرف عن البعض.

لكن في الدول النامية فلا أحد يسأل ولا أحد يجيب، ولكننا وبهذا الحدس التوقعي، نعرف أنه تتم سرقتنا، لكن لك أن تثبت هذا، الفكرة في هذه التسريبات أنها وضعت البنك الدولي وتقديراته حول شفافية النظم الضريبية في دول المركز الرأسمالي تحت تساؤل كبير حول مصداقيتها، ووضعت حكومات ودولًا تتعامل دائمًا على أنها الأكثر شفافية موضع تساؤل أيضًا حول جدوى تلك الشفافية؟ وهل تطبق تلك القوانين الضريبية الصارمة على الكل؟!

لكي تكون تلك الأموال فاسدة فإما أن تكون من مصادر غير مشروعة أو تقوم بالتهرب من دفع الضرائب عليها، لكي تحمي تلك الأموال فأنت بحاجة لشيئين: 1- شركة محاسبة قانونية تقع في إحدى الدول التي تسمى (Off shore Tax Haven)، 2- شركة وهمية تقع في النطاق الجغرافي للدولة المراد تهريب الأموال منها (shell companies).

إذن لابد لكي تنشئ شركة وهمية أن يكون هناك تواطؤ واضح من الأجهزة الرقابية والضريبية والإدراية في الدولة المراد التهريب منها، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي (في بنما) يمكن أن تكون أموالك في أمان بعيدًا عن الرقابة

إذن ما هي الملاذات الضريبية؟!

هي شركات وهمية تقع خارج أي إطار تنظيمي وقانوني للاقتصاد الحديث، ويتم إنشاؤها في الدول الجزر التي تكون (off shore ) أي لا تتمتع بالرقابة على التدفقات المالية، والتحويلات من وإلى الدولة. وفي هذه القضية فالموضوع هو بنما.

الأرقام الصادرة عن المؤسسة الدولية للصحافة الاستقصائية تقول إنه وجد في العالم حوالي 80 ملاذًا ضريبيًّا، وتتنوع بين دول في أوروبا مثل سويسرا ولوكسمبورج، ودول فقيرة جدًا في أفريقيا مثل الصومال والجابون، ودول في أمريكا اللاتينية مثل جاميكا وبنما على وجه الخصوص.

من هم المتورطون في القضية؟!

التسريبات بالمناسبة طالت قادة عربًا بداية من عبد الله صالح لزين العابدين بن علي، وحتى بشار الأسد وغيرهم من أمراء الخليج، وفي مصر كان الأشهر هو علاء نجل حسني مبارك بالإضافة لتورط شركات ما زالت تعمل في السوق المصرية حتى الآن، ولم تقم الحكومة بسؤال واحد لتلك الشركات عن موضوع الوثائق، وبالدخول على موقع الشركات لم أجد أي تعليق على الحادثة وكأن شيئًا لم يكن، وبالتالي غياب النقاش الاقتصادي في المجال العام حول التسريبات كان له تأثير سلبي على غياب الوعي الجمعي والرأي العام عن مراقبة تلك الشركات والمطالبة بمحاسبتها.

لكن يمكن أن يكون ذلك نوعًا ما متوقعًا، ففي ظل العنصر الأهم في السوق وهو الشفافية والمعلومات فقد يكون هناك أسوأ من ذلك يحدث، والحديث عن الأسوأ لا ينتهي، والأكثر دعوة للاستنكار في الأوساط الاقتصادية هو تلك الدول المتقدمة والتي تَورط أشخاصٌ بارزون منها في تلك الفضيحة، فمثلًا والد رئيس الوزراء البريطاني، ووزراء في الحكومة الفرنسية أيام ساركوزي، وأشخاص ورجال أعمال على علاقات جدية بالحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة جاء ذكر أسمائهم في تلك الوثائق، مع بيانات مالية مفصلة عن تعاملاتهم مع تلك الملاذات الضريبية.

إذن ماذا تخبرنا القضية على المستوى الكلي للاقتصاد؟

تثير القضية تساؤلات قديمة جديدة حول جدوى النظم النقدية والضريبية التي استحدثتها الرأسمالية الحديثة في عصر العولمة للرقابة على التراكم الرأسمالي الإنتاجي، فدائمًا ما كان المبرر الموجود هو أن الرقابة ووجود المعلومات في السوق يدفع الجميع للالتزام نحو العقلانية في القرارات الاقتصادية والاستثمارية، والبعد كل البعد عن قرارات مثل التهرب الضريبي.

مع الأمولة العالمية الممنهجة والتي أنتجت أزمة اقتصادية في 2008 صدرها القطاع المالي لقطاعات أخرى على رأسها العقارات، فالرأسمالية الإنتاجية جميعها تأثرت، تمثل ذلك في تراجع معدلات النمو في الدول التي ترتبط بالولايات المتحدة اقتصاديًا بشكل كبير، ذلك النوع من الاقتصاد (Hot money)، قائم بالأساس على إعادة تدوير الأموال في دورات اقتصادية وهو ما يدفع بالتالي الفاعلين الاقتصاديين الأساسيين للبحث عن الربح المالي السريع القائم على إعادة التدوير للأموال، وليس الاتجاه نحو رأسمالية إنتاجية حقيقية، تحاول بناء مصانع وتوفير فرص عمل، هذا كله من شأنه أن يدعم العقلية الاستثمارية التي تقوم على الربح السريع، فلا ضرر من الحفاظ على ذلك الربح من الضرائب، والتي تترسخ في أذهان الرأسماليين على أنها حق غير مكتسب للدولة وأجهزتها المختلفة، فالتهرب نحو الملاذات الضريبية في رأيي ليس إلا نتاج أزمة هيكلية وبنوية أنتجتها الرأسمالية باتجاهها نحو الأمولة، وليست فقط خطأ هؤلاء اللصوص، وهو ما يطرح السؤال الأهم والذي يشغل أوساط الاقتصاديين الأكاديميين وغير الأكاديميين على مستوى العالم؛ وهو هل سيستمر هذا النمط الإنتاجي (الرأسمالية) أم نحن في حاجة ماسة لتجاوزه؟!

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات