بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قضايا جولانية >> الأثار في الجولان >>
تيسير خلف.. تدمر أكبر من مجرد آثار
  22/05/2016


تيسير خلف.. تدمر أكبر من مجرد آثار

رائد وحش - كاتب وصحفي من فلسطين


افتتح الكاتب والباحث الفلسطيني- السوري تيسير خلف رحلته في الكتابة بمجموعة قصصية بعنوان "قطط أخرى" صدرت عام 1993 في دمشق، ليتبعها برواية "دفاتر الكتف المائلة" عام 1996، وبعد ذلك سوف تتنوّع كتاباته بين الأدب والدراسات التاريخية التي سيتوجها بكتابه الكبير "موسوعة رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين" الذي نشر في ثمانية مجلدات في 2009.
تيسير خلف: نعيش في بلاد لا يزال التاريخ يفعل فعله فيها. التاريخ في بلادنا يحدّد للناس عقائدهم
رواياته هي: "عجوز البحيرة"، و"موفيولا"، و"مذبحة الفلاسفة"، أما في مجال الدراسات التاريخية فالقائمة تتجاوز العشرين مؤلفًا، والتي تنشغل بتاريخ المشرق العربي منذ فجر التاريخ، ليمهد من خلال تلك الخلفية التاريخية الأرضية المناسبة لفهم الراهن.
صفحته على الفيسبوك أشبه ما تكون بمجلة تاريخية، يقدم فيها للمتابعين خلاصات وشذرات في التاريخ التدمري والنبطي، مع قراءات وترجمات للنقوش القديمة. هنا حوار بمناسبة صدور روايته "مذبحة الفلاسفة" التي تتناول سقوط تدمر، وقتل حكمائها على يد الرومان.
يبدو منطقيًا، لمن يتابع مسار عملك في البحث التاريخي، أن يجدك تكتب رواية تاريخية، لكنك كنت منشقًا (إن جاز التعبير) عن نفسك في الكتابة الروائية، حيث كتبت روايات ذات مشاغل حداثية، بالتوازي مع بحوثك ودراساتك التاريخية. هل يمكن اعتبار "مذبحة الفلاسفة" تطبيعًا مع الذات؟ عودة إلى البيت؟

ليس الأمر هكذا، فالبحث التاريخي هو تعميق معرفي لفهم الواقع. أنا مشغول بالتاريخ لأنّنا نعيش في بلاد لا يزال التاريخ يفعل فعله فيها. التاريخ في بلادنا يحدّد للناس عقائدهم وأولوياتهم وتحالفاتهم ومواقفهم، وبالتالي هو بالنسبة لي ليس ترفًا فكريًا محضًا، بل أداة مهمة لفهم الواقع.
فيما يخص الكتابة الروائية، أظن بأن الشكل الذي اخترته لرواية "مذبحة الفلاسفة"، يصب في هذا الإطار التجريبي، أي أنني كنت مشغولًا بالشكل أيضًا، وليس فقط في تحقيق رواية تاريخية. الشكل الذي بدا في هذه الرواية وكأنه قصة واقعية حدثت مع الراوي المعاصر، هو جزء من التقنية الروائية، والراوي هو شخصية روائية، وليس تيسير خلف شخصيًا، كما توهم البعض.
تقول "مذبحة الفلاسفة" إن الإجهاز الحقيقي على تدمر تمّ بالإجهاز على حكمائها، فالمدينة مثّلت شكلًا راقيًا من "المدينة الفاضلة"، أو "جمهورية أفلاطون". السياسة هزمت اليوتوبيا التدمرية، وستهزم الأحلام المشابهة.. ما رأيك كمؤرخ هذه المرة، لكونك قدّمت في النص تصورك كروائي؟
هذه المقاربة التي تتحدث عنها؛ هي رؤيتي الخاصة التي كونتها من خلال القراءة المعمقة، ليس فقط لكتب التاريخ، بل للسرديات المعاصرة لتلك المرحلة، وأساليب الروي، والكتابة، والعقائد، والصراعات الفكرية والجدل الفلسفي.
كانت زنوبيا فيلسوفة، لها وجهة نظرها في الأخلاق والسياسة. كان لديها طموح فلسفي بإقامة دولة فاضلة، استقطبت إليها فلاسفة ذلك العصر كلوجينوس وأفلوطين وأميليوس وغيرهم، حتى روما نفسها كانت مشغولة بهذا النوع الجدل، وهناك أكثر من إمبراطور كان محسوبًا على الفلاسفة. تدمر كانت تعد نفسها وريثة للتراث الهلنستي الشرقي. من هنا يمكن النظر إلى الصراع مع روما على أنه صراع ذو بعد فلسفي، كان ثمة مؤيدون لتدمر في مجلس الشيوخ الروماني، ومؤيدون لأورليان داخل تدمر ذاتها، أورليان بما يمثله من قيم عسكرية قائمة على نزعة القوة والسيطرة، ولذلك انحازت له القبائل العربية التي كانت جزءًا من تلك المنظومة العسكرية المعقدة المصالح، ولذلك كان أورليان يعرف أعداءه جيدًا وهم الفلاسفة، فارتكب فيهم تلك المذبحة المروعة!
لماذا كان على تدمر أن تكون مدينة للحكمة؟ لماذا أرادت أن تعيد أثينا؟
كانت تدمر تعيش أخطر مراحلها، كانت تريد أن تعرف ذاتها، بعد أن أغلق الساسانيون شريان الحياة القادم من الصين عبر طريق الحرير البحري الجنوبي، إذ إنه ولسنوات طويلة كانت تدمر تعرف نفسها بأنها صلة الوصل بين الشرق والغرب، ولكن ومع ظهور النزعة التدميرية الفارسية، كان لا بد لتدمر أن تدافع عن نفسها، فظهر أذينة قائدًا عسكريًا فذًا قطع الطريق على طموحات الفرس بالهيمنة على الشرق كله، ولذلك نظر إليه كإمبراطور روماني واعد، ربما أراد البعض منه أن يوحد الإمبراطورية المنقسمة بينه وبين غالينوس.
تيسير خلف: مع ظهور النزعة التدميرية الفارسية، ظهر أذينة قائدًا عسكريًا فذا قطع الطريق على طموحات الفرس بالهيمنة على الشرق
زنوبيا ورثت إمبراطورية مشرقية ممتدة من البىحر الأسود إل شمالي الحجاز وسيناء، وسرعان ما انضمت الإسكندرية ومصر إليها، وكانت تبحث عن هوية لهذا الكيان الممتد القابض على شرايين التجارة في العالم القديم، فكانت مشروعيتها مستمدة من فكرة الجمهورية الفاضلة، ومن الطبيعي أن تكون أثينا هي المثل الأعلى.
تعتبر الرواية أن سقوط تدمر الحقيقي هو قتل فلاسفتها وحكمائها، لكنها كانت ستسقط حتى لو لم يكن فيها حكماء، نتيجة صراع تلك الفترة. لماذا حاولت ربطت الصراع بما هو ثقافي أكثر مما هو سياسي؟
كما أسلفت الصراع مركب ويحوي عددًا من الطبقات، منها جانب سياسي يتعلق بفكرة السلطة، وجانب آخر يتعلق بصراع على طرق التجارة العالمية، وجانب يتعلق بالهوية، التي كانت الهلنستية سمتها الأبرز. لا أعرف إن كانت تدمر قادرة على الصمود في في ظل الصراعات الكبرى التي كانت تمزق العالم في ذلك الوقت بين أسرة فارسية صاعدة وإمبراطورية رومانية متهالكة، وبين مسيحية صاعدة وفلسفة مشرفة على الغروب، وفي رأيي أن الجانب الثقافي والفكري في هذا الصراع كان أساسيًا بدليل إعدام الفلاسفة، والعفو عن الجيش التدمري وقادته الذين نجوا من المعركة، والذين نعلم أنهم نقلوا إلى شمالي أفريقيا بعد سقوط تدمر.

يكاد يكون قصي بن كلاب هو بطل الرواية، أو الشخصية الأبرز فيها. وفي فصول الرواية الأخيرة تتحدّث عن وجود أكثر من قصي، لكننا نعرف أنه جد للرسول محمد (ص)، فلماذا جعلته كاهنًا تدمريًا؟ وهل تعتقد أن التخييل الروائي يسمح للكاتب أن يغيّر مسار شخصية تاريخية؟
لقد بينت أن هناك أكثر من قصي بن كلاب، سواء في النقوش النبطية في جبل حوران، أم في شخصية قصي الأدبية المستقاة من السيرة النبوية، ثمة ثغرات كبرى في هذه الشخصية حاولت أن أردمها بالتخييل الروائي، لكن بما لا يتناقض مع المعطيات التاريخية المتوفرة، فقصي جد الرسول شخص محوري في مكة، وتدور حوله الكثير من الأساطير والأوهام والتناقضات، أما قصي ابن كلاب الكاهن النبطي فهو حقيقة آثارية، أما علاقته بتدمر فهي مبنية على منطق تاريخي يعتمد على بعض الحقائق المتعلقة بهجرة الكثير من أنباط حوران إلى تدمر..

أين ينتهي التاريخ وأين تبدأ الرواية في "مذبحة الفلاسفة"؟ وكيف يمكن لخيال الروائي أن يكمل القطع في التاريخ؟
لا يوجد عمل روائي من دون أساس واقعي، بعض الروائيين يتكئون على سيرهم الذاتية وعلى تجاربهم الشخصية، والبعض الآخر على سير الآخرين وحكاياتهم، فالواقع بجانبه التاريخي أو العياني، مصدر أساس من مصادر العمل الروائي، الشغل الروائي يتركز على زاوية الالتقاط ووجهة النظر واللغة.

هل تقتحم مجال الرواية التاريخية لسد ثغرات في التاريخ القديم اندثر أي مرجع علمي لها، أو نقش أثري عنها، لوضعها في سياقها من موقعك باحثًا؟
استدعاء التاريخ في العمل الروائي أصعب بما لا يقاس من الكتابة المتكئة علي التجربة الشخصية، وخصوصًا عند الحديث عن المكان، فلا رواية من دون مكان، والمكان التاريخي إما اندثر أو تبدلت معالمه، وهنا ينبغي على الروائي أن يعود إلى الباحث ليتماهى فيه. هنالك أيضًا موضوع مرتبط بالأمانة التاريخية، من غير المقبول أن تغير في مسار الشخصيات التاريخي، لكن يمكن أن يتحرك الروائي ضمن المنطق التاريخي للشخصيات، ولكن ثمة هامش للتخييل الروائي حيث لا يفعل النص التاريخي فعله، هنالك فراغات كثيرة يستطيع الروائي أن يملأها.
يقول الرواي: "في بعض الأحيان، وحين كانت الأحاديث تطول بيننا، كانت اللغة التدمرية تتسلل إلينا فننسى نفسينا لبعض الوقت، ولكن سرعان ما ينتبه لذلك؛ بسبب افتقار لغتنا إلى العبارات الفلسفية والأدبية، فيعود إلى الحديث باليونانية التي كان يعدها أسمى اللغات قاطبة". هل ما يقوله الرواي صحيح، كونك تتقن اللغة التدمرية؟ وهذا بطبيعة الحال يحيلنا إلى السؤال: كيف لتدمر أن تكون مدينة للحكمة والفلسفة ويضعف الإنتاج الفلسفي والأدبي في لغتها؟
هذه حقيقة معروفة، فاللغة التدمرية، وجميع لغات المشرق لم تتطوّر لتستوعب الفلسفة والفكرة إلا في فترات لاحقة، وكوني درست النصوص التدمرية المتوفرة، أستطيع أن أقول إنها لغة عملية غنية بالمصطلحات التجارية والطقوسية، ولكن حين يصل الأمر إلى المصطلحات المدنية نجد أنها تستعين باليونانية، ولكنها في الوقت نفسه كان تعني شيئًا كبيرًا لدى التدمريين، فلا يوجد نقش يوناني في المدينة إلا وكان له مقابل تدمر، تدمر كانت معتدة بهويتها ومركزيتها في العلاقة بين الشرق والغرب، ولكنها في النهاية كانت تقع ضمن نسق المدن الهلنستية التي تبنت القيم المدنية الإغريقية عن طيب خاطر وليس بالإكراه، شأنها في ذلك شأن جميع مدن المشرق العربي.

كيف تنظر إلى دمار تدمر الآن، بعدما تناوبت عليها وحشية داعش والأسد؟

تدمر بالنسبة لي الآن فكرة أكثر من كونها مجرد آثار، ورؤية تقيليدية يجري اجترارها في المناهج التعليمية، عن نزعة استقلالية كانت تقودها زنوبيا! دمار تدمر وقع قبل سبعة عشر قرنًا، وما يحصل اليوم هو مجرد مشهد تمثيلي أراد البعض استغلاله إعلاميًا بطريقة دنيئة.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات