بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> سجل الخالدين >> سجل الخالدين >>
عندما طاب الموت و انتصر العرب
  13/12/2009

عندما طاب الموت و انتصر العرب


توفيق عبيد - الفكر القومي العربي
مدخل:


أقمر الليل، و عبقت آفاق الجبل الأشم بعبير السنديان و الزهور البرية الحالمة، و بين الحين و الآخر ترددت أصوات سنابك الفرسان و هي تجد السير نحو اللقاء المنظور. و عند حدود القرية الشفافة بدت قامات المستقبلين نشطة التحرك، و سمعت أصوات الترحيب و تعددت مشاهد عناق الرجال. و في ساح دارة السلطان، بدت النسوة نشطات في إعداد مجلس الرجال، و توفير الطعام و الشراب للضيوف المنهكين و القادمين من كل حدب و صوب، فشيمة العرب إكرام الضيف، فما بال أن تقدم الضيافة العربية الخالصة لرجال تجشموا وعورة الطريق، و قطعوا المسافات الطوال، و تجاوزوا حواجز الجيوش الفرنسية المحتلة، مقبلين من بطاح حلب و دير الزور و إدلب و القدموس و غوطة دمشق و الجولان. قالت سيدة من أهل الدار لرفيقاتها، لا تحسبن أن هذا اللقاء سيكون مجرد توافد عادي يومي إلى العرين، فلقد مازحني البارحة " أبو منصور " قائلاً: " تهيأوا أيتها الأمهات و الأخوات لتنفيذ ما حلمتن بتكرير ما قامت به أمهاتكن و جداتكن عندما حملن راية الجهاد و تحرير البلاد قبل أزمان ليست ببعيدة ". قالت شابة ممشوقة القد، و بصوت جميلٍ ماضٍ كالسيف،: " لا بد لنا أن نقف مع رجالنا المقاتلين الشجعان في مختلف أرجاء سورية العتيدة ونتناوب معهم في حمل راية " ابو منصور " و هي تنطلق عليةً لطرد جيوش الإحتلال عن صدر بلادنا المشرق بالعز، لا بد لنا من دحر طغيان الجنرال الفرنسي ساراي، و قطع يد ضابط أمنه " كاربييه" الذي صلى الجبل الأشم بالحديد و النار و الغدر". ردت سيدة هادئة، و بصوت جميل حكيم قائلة: " لقد طفح الكيل، فالمستبد الفرنسي و عملاؤه في كل من سورية و لبنان، أرهق كاهل الناس بالضرائب، و أطلق النار على كل من طالب بحقه في حياة عزيزة بعد رحيل الجيوش العثمانية، و استولى على معظم مصادر البلاد الطبيعية و الزراعية، و استباح حرمات الأسر السورية و اللبنانية الكريمة، و نصب المستشارين الفرنسيين و أزلامهم من ذوي النفوس المريضة و المصالح الطائفية و العرقية الهجينة، و داس على ميثاق مجلس جمعية الأمم، و فرض دستوراً قميئاُ، ليتمكن من خلاله تنصيب شخصيات عميلة له مثل صبحي بركات و الداماد أحمد نامي على رئاسة البلاد، و ذلك منذ أن اقتحم الجنرال غورو بلادنا و حتى هذه اللحظة، أي في 22 تموز من عام 1925". قطعت مداخلة السيدة هذه، أصوات تنبؤ عن تحرك الرجال الضيوف، و استعدادهم للقاء “ أبو منصور " و وضع ملامح بداية القومة العربية في وجه الإحتلال الفرنسي الغاشم.
أيها الرجال: العدو في الكفر أمامكم:
و قبل انبلاج صباح 20 تموز 1925، و مع أصوات الطيور المسبحة بحمد الله على نعمة الحرية، أقسم المضيف " أبو منصور " و رجاله و نسائه مع مضيفيهم الشجعان، القادمين جميعاً من حلب و دير الزور الزاوية و القدموس و الجولان و دمشق، على تسليم راية " الثورة السورية " إلى " الباشا، سلطان " و الجهاد خلفه لتوحيد الثورة على الإحتلال في مختلف أرجاء سورية و لبنان، فلقد طاب الموت أمام الأحرار في وجه المحتلين و أزلامهم الفجار. و كادت شابة متحمسة، أن تفضح سرية اللقاء، عندما حاولت إطلاق زغردة الوطنية معبرة عن عميق سعادتها بهذه البداية الوطنية المجيدة، لولا أن حضنتها السيدة الحكيمة و حالت دون فعل ذلك و هي تبلل خدودها المشرقة النضرة الأبية بدموع السعادة. و قبل أن يصيح ديك الصباح، مؤذناً بفجر الحرية المشرق بإذن الله، انسحب المؤتمرون ليأخذوا مواقعهم المقررة لبدء خطوة الثورة الأولى. و بعد يومين، أي في 22 تموز 1925، بدأت " الثورة السورية " أول معاركها، في مكان قريب من الجبل الأشم، في قرية الكفر، حيث هاجم الثوار بقيادة مباشرة من " الباشا" موقعاً للحامية الفرنسية في الكفر، و تمكنوا بالسلاح الأبيض وحده فقط من غسل العار، و تم للثوار النصر. لم يسلم من الحامية الفرنسية سوى جندي متطوع من المغرب، أطلقت الثورة سراحه ليحكي للعالم أجمع حكاية البطولة التي سجلها الثوار بدماء 40 شهيداً منهم مصطفى الأطرش شقيق سلطان باشا. و تجدر الإشارة إلى أن الناجين من حامية الكفر و غيرها في جبل العرب الأشم، هربوا ليلجأوا إلى قلعة السويداء، حيث حوصروا. و لقد سجل انتصار معركة الكفر هذه، البداية الحقيقية لمسيرة الثورة السورية، حيث امتدت نارها لاحقاً و حتى عام 1927 إلى سائر مناطق جبل العرب، و حوران و الجولان و الغوطة و حماة و أطراف حمص و ريف حلب الشهباء و دير الزور و ذرى القدموس الشماء.
في المزرعة غرسنا شجرة الحرية:
كالنار في الهشيم، انتشر خبر انتصار الثوار و ابتهج الأخيار في كل أنحاء سورية و لبنان، و عندما بلغ مسامع الجنرال الفرنسي ساراي جن جنونه، و جمع أركان حربه ليأمرهم بإعلان التعبئة العامة في مدينة أزرع الواقعة غربي جبل العرب. و عندما تم احتشاد ستة آلاف جندي، أوكل للجنرال ميشو قيادة تحركهم نحو السويداء. و على الطريق، برز لهم الثوار بسيوفهم، حيث تمكن من هاجم مؤخرة الحملة من التنكيل بالقوة الفرنسية الغاشمة و كسب المغانم، و لكن جميع الثوار قرروا الانسحاب نتيجة الشهادة الكبيرة التي أبدوها. و على بعد 11 كيلومتر من السويداء، أي عند قرية المزرعة، انطلق الفرسان العرب من كل حدب و صوب على قلب الحملة، فدب الرعب في قلوب الحملة و لاذوا بمناطق صخرية مناسبة. و بعد أن ساهم حرُّ شهر آب في إرهاق الفرنسيين، و أعوزتهم الذخائر و الماء قرر ميشو، و هو مصاب بجروح بالغة، الهرب مع من تبقى من جنوده، فانسحبوا إلى أزرع مثخنين بجراح الهزيمة. و عندما انقشع غبار المعركة، بدت هنا و هناك دبابات محطمة و ما لا يقل عن 1500 جندي و ضابط فرنسي صريع. في حال فقد الثوار 205 شهيداً في سبيل الوطن.
عندما ضيَّعَ الجنرال غملان
نجومه في المسيفرة:

في مقر قيادة الانتداب الفرنسي الفرنسية التي صدمتها تفاصيل هزيمة جيش الانتداب العرمرم عند أقدام جبل العرب، طاش حجرُ وزارة الحرب الفرنسية في باريس، فعزلت الجنرال ساراي و عينت مكانه واحداً من ابرز أبطال الاستعمار الفرنسي وقتئذٍ و هو الجنرال الفاشي غملان، و أعطته سلطة مطلقة كقائد عام للجيوش الفرنسية المحتلة في المشرق العربي. و انطلاقا من اعتزازه بتسلطه و شدة قوته الضاربة، طاف بدمشق، و زار إزرع، و عاد ليعتقل كل من اشتبه به نصيراً للثورة السورية. و استخدم في استطلاعات جيوشه الطيران بعد فشلها على الأرض. و قام بفرض غرامات و ضرائب عينية على تجار مدينة دمشق ليتمكن من دعم إمدادات قواته بالتموين الغذائي. و رغم أن قائد الثورة السورية، لم تخدعه طرق الجنرال غملان، و بخاصة تلك التي أمر فيها بإطلاق سراح بعض الزعماء الوطنيين هنا و هناك في الوطن، قام بعقد اجتماع للقيادة تم التوصل فيه إلى ضرورة قيام الثورة بتوجيه ضربة وقائية مباشرة للحشود العسكرية الفرنسية المتكاثرة و المرابطة عند قرية المسيفرة من جهة و إشعال نار المقاومة في غوطة دمشق، و القلمون، و في شمال و غرب البلاد. و تجدر الإشارة إلى أن قوات الانتداب الأمنية، التي أفلحت في توظيف بضعة من العملاء مريضي النفوس، تمكنت من مراقبة المناطق الغربية من السويداء. و قبيل وصول الثوار حدود المسيفرة في مساء 17 أيلول / سبتمبر من عام 1925، قام أحد العملاء بإطلاق عيار ناري تحذيري، مكن قيادة الحامية الفرنسية من التنبه و مراقبة الجوار من خلال أنوار كاشفة. و مع ذلك، تابع الثوار هجومهم ليحققوا انتصارهم عليها، و ذلك بعد استشهاد قرابة 200 ثائر. و عندما علم الجنرال غاملان بفقده موقع المسيفرة و القضاء على 900 فرد من حاميته، لم يتردد غاملان البتة في انطلاقه، بجلالة قدره العسكري، نحو السويداء لاجتثاث قيادة الثورة في الجبل الأشم، و قبيل وصوله حدود المسيفرة أحس بالحرِّ الشديد، خلع معطفه العسكري الموشح بالنجوم و الأوسمة، و ربما كان ذلك نتيجة لارتفاع ضغط دمه لدى رؤية الكارثة التي حلت بقواته هناك، و بعد أن هدأ من روعه المرافقين، أراد ارتداء معطفه فلم يجده، فأرغى و أزبد، و عاقب حراسه على فقد هذا المعطف التاريخي الثمين لديه. و عندما بلغ مدينة السويداء، و تمكن من رفع الحصار عن قلعتها في 24 أيلول 1925، و تبارت طائراته في قصف السكان الآمنين، رفع كأسه في حفل عشاء أقامه بالقلعة، و صاح قائلاً لنشرب نخب " النجوم التي لن تضيع ". و الجدير بالذكر أن التاريخ قد سجل عليه فشله الذريع و شكل انكساره أمام أبطال الثورة الثورية الشجعان، وصمة عار في جبين الاستعمار الفرنسي خلال النصف الأول من القرن العشرين، فقد تمكن السيف العربي البتار من قطف نجوم الطغاة من شجرة الاستبداد.
لنحرق الغوطة و حماة
بحثاً عن كبرياء المدنية الفرنسية المهدورة:

عندما تأكد للجنرال ساراي نبأ اشتعال نار الثورة في حلب و إدلب و حماة، و أعلمه العملاء بأن الثوار في غوطة دمشق، و القلمون، يستعدون لمعركة كبيرة في منطقة الزور في ريف دمشق، أرسل طائراته فقصفت مجموعة فوزي القاوقجي و في ضمنها 100 فارس من بني معروف، لكنها باءت بالفشل، و تمكن الثوار من السيطرة على دار الحكومة في حماة، و تابعوا تحركهم لحصار الحامية الفرنسية في المنطقة القريبة. و لقد أطار صوابه ثوار غوطة دمشق الأشاوس عندما بطح الثوار فرقة فرنسية توجهت لإجهاض تحشد الفرسان في الزور، و لم تفعل المباغتة الفرنسية فعلها في ثني جموح و إصرار ثوار الغوطة على متابعة خطتهم الهجومية، بل زادتهم ثباتاً، حيث تمكنوا من صنع انتصارين لهم على الفرنسيين في معركتي الزور الأولى و الثانية. و مضى الثوار في تقدمهم نحو مدينة دمشق، ليحتلوا بعضاً منها، و بلغوا مقر قيادة الانتداب الفرنسي، لكن الجنرال ساراي تمكن من الإفلات و الفرار إلى لبنان مذعوراً. و قد وصل الجنرال ساراي إلى بيروت، أمر باستخدام مكثف للطائرات و المدفعية الثقيلة فعملت على قصف مدينة دمشق طيلة يوم بكامله، و بعث وفداً إلى دمشق يطلب من السياسيين الوطنيين التدخل لوقف زحف الثورة السورية دون جدوى. الأمر الذي شكل لدى حكومة فرنسا شعوراً بالامتهان، و الانكسار، و جعلها تدعم الجنرال ساراي في تكثيف النار على الثوار في الغوطة مباشرة، فكان أن استشهد البطل العربي المقدام حسن الخراط. و لرد الكرامة الفرنسية المهدورة تابع الجنرال ساري قصفه دمشق، مشترطاً على أهلها عدم مساعدة الثوار، و بشكل خاص أهل حي الميدان الأبرار، حيث قامت قواته الأمنية بجباية 100 ألف ليرة عثمانية و صادرت 3 آلاف بندقية. و مع ذلك توالت ضربات الثورة السورية على قوات الإحتلال الغاشمة، و أظهر الوطنيون من أقصى البلاد إلى أقصاها، و للعالم أجمع أن شعار الثورة السورية " الوطن مقابل الشهادة و الروح " أمر لا رجعة فيه، الأمر الذي أحرج الحكومة الفرنسية دولياً، فاستدعت الجنرال ساراي واستبدلته بمندوب سامٍ مدني هو السيد دي جوفنيل و ذلك ليعيد الحوار الديموقراطي (!؟) المقطوع بين حكومته و العناصر الوطنية السورية الصامدة. و لكن دي جوفنيل المهزوم انقلب إلى سفاح فاشي جديد يفوق ما لدى الجنرال ساراي شراسةً، و أمر مجدداً باستخدام أحدث و أعتى أدوات التدمير الحربية الفرنسية إلى أن تمكنت قواته من التغلب على الثورة إلى حين، و لتتحول هذه الثورة التاريخية المجيدة إلى نار متوقدة تحت الرماد، و لتظهر سياسياً مدى الخزي العالمي الذي غض الطرف عن جرائم الاستعمار الفرنسي البغيض، و الجدير بالذكر هنا أن هذه الثورة المجيدة، عادت إلى الظهور في عام 1928، لتؤكد للعالم أجمع مدى جماهيريتها من خلال الفوز في انتخابات عامة، قادت لاحقاً في عام 1932 إلى تأسيس جمعية وطنية سياسية. و لقد كان لهذا النصر السياسي المبين دوره الوطني البارز في تعزيز مواقف الثوار بالعمل السياسي الوطني الشامل. و عبر إضراب الستين يوماً عام 1934 تكسرت، على صخور الثورة السورية الصلدة محاولات الحكومة الفرنسية للحفاظ على استعمارها البلاد السورية، و تراجعت كل سياساتها الخسيئة أمام مدِّ موج الاستقلال. و بنتيجة ذلك وقع الوطني الكبير هاشم الأناسي و دي مارتيل الفرنسي أسس معاهدة التفاهم على إنهاء الإحتلال الفرنسي دون عودة. و نعتقد بأنه في عام 1934 تجلت ذروة انتصار الثورة السورية المجيدة، تحت راية البطل العربي الخالد سلطان باشا الأطرش، و كانت تلك هي بداية عمر تحرر سورية و استقلالها العتيد.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات