بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> سجل الخالدين >> سجل الخالدين >>
الشهيد مشهور العاروري... عائد من الأبدية بعد 33 عاما
  30/12/2009

الشهيد مشهور العاروري... عائد من الأبدية بعد 33 عاما
بقلم: عيسى قراقع


قررت سلطات الاحتلال تسليم جثمان الشهيد مشهور العاروري الى ذويه بعد 33 عاما من احتجازه في ما يسمى مقابر الأرقام العسكرية بعد نضال قانوني شاق وطويل مع المحاكم الاسرائيلية.
العاروري يعود من الأبدية أخيرا الى قريته عارورة مستوفيا شروط الدولة العبرية في العقاب الجسدي والروحي، والتحلل من الزمان والمكان، والشهيد لا يحمل معه سوى رقم وكفن بال وأسئلة أولى لم يسمعها أحد سوى سيد الموت وهاجس قلب أمه العجوز.
الشهيد يعود ليحكي لنا عما يفعلون هناك: مقابر تفتقد لكل المقومات الإنسانية والدينية، يدفن فيها الشهداء بلا كرامة، وعلى بعد 50 سم من سطح الأرض، ولا أحد يحمي أجسادهم من نهش الحيوانات والطيور الجارحة، ولا أحد يتفقد إن كانت أجسادهم ناقصة أم مكتملة، ليس لهم سوى الدفاع عن حقهم في العودة الى جنازة لائقة وصلاة تؤبنهم بقراءة الفاتحة.
الشهيد يعود ولا أحد يعرف سواه إن كان قد اعدم بعد إلقاء القبض عليه أو عذب حتى الموت على يد الجلادين والجنود، ولا أحد يعرف سواه إن كان جسده قد خضع للسرقة وانتزعت منه أعضاء تم المتاجرة بها هنا وهناك.
هل خضع العاروري كغيره من الشهداء للقرصنة الجنائية التي اعترف بها (يهودا هس) مدير معهد الطب الشرعي في أبو كبير، فانتزعت عيناه أو جلده لصالح الجنود أو تجار الأعضاء الإسرائيليين؟؟؟
الحقائق العالمية أثبتت مؤخرا أن اسرائيل هي أكبر مركز عالمي لتجارة الأعضاء البشرية بشكل غير قانوني، وأن أذرعها تصل الى كل مكان في العالم.
الشهادات الأخيرة سواء الاسرائيلية أو الحقوقية أو الدولية أكدت أن جريمة منظمة جرت على أجساد الشهداء المحتجزين، وهي جريمة ذات أبعاد كثيرة: الرسمية بغطاء من الدولة والقانون في اسرائيل، والمهنية بمشاركة أطباء إسرائيليين وبدون أية مسائلة، والدولية من خلال شبكات التجارة العالمية والتي ألقي القبض على جزء منها مؤخرا ويقودها الحاخام الاسرائيلي ( اسحق روزنبرغ).
بموجب المعلومات المتوفرة أصبحت اسرائيل مدانة بسرقة الأعضاء البشرية لمئات المعتقلين الذين قتلتهم قواتها العسكرية عمدا بعد اعتقالهم منذ عام 1967، وبعضهم القي القبض عليهم أحياء واقتيدوا لمناطق مجهولة ومن ثم أعلن عن استشهادهم كالشهيد مجدي أبو جامع عام1983.
ويمكن الحديث عن عشرات الأسرى الذين استشهدوا داخل السجون ومعتقلاتها بعضهم أعيد الى ذويه بعد احتجازها لأيام أو سنوات وعليها آثار ندبة ممتدة من أعلى الرقبة وحتى أسفل البطن كالشهيد فضل شاهين، وفرض على عائلاتهم دفنها ليلا أو تحت تهديد السلاح وحظر التجول، وبعضهم لا زال محجوزا حتى الآن كالأسير الشهيد أنيس دولة المحتجز رفاته منذ عام 1980.
لقد تبين أن احتجاز الشهداء ليس هدفه المقايضة كما يتوهم البعض، بل هو ممارسة التجارب الطبية عليهم و المتاجرة بأعضائهم والتسبب بتعذيب نفسي لذوي الشهداء وإخفاء الأدلة والبراهين عن أسباب القتل لهؤلاء الشهداء.
الشهيد مشهور العاروري يعرف التفاصيل، وقد اجتمع مع عدد كبير من الشهداء في تلك الحفر الجماعية، وفي ذلك المكان السري المغلق، وسجل الرواية التي لم تكتمل بعد، وهو الذي رأى بأم عينيه كيف يتجدد الموت ما قبل الموت وما بعد الموت وما بعد الذوبان عميقا في التراب أو في النسيان.
كافة أهالي الشهداء وبعد اعتراف اسرائيل أنها ارتكبت تلك الجرائم على أجساد الشهداء أصيبوا بالذعر، وبدأت الذاكرة تنهال وخاصة أن المشهد يشبه مسلخا بشريا تمت فيه مجزرة صامتة في غفلة من التاريخ ومبادئ حقوق الإنسان.
عودة الشهداء أصبحت محفوفة بالمخاطر، فهذه الأجساد ربما تكون قد أفرغت أعضائها واستخدمت كقطع غيار بشرية، وربما لا تدل الأرقام على أسماءهم أو وجودهم إذا ما أكلتها الوحوش أو جرفتها سيول الأمطار.
إن قرار الحكومة الفلسطينية بتشكيل لجنة وزارية خاصة لمتابعة ملف الشهداء المحتجزين وسرقة أعضاءهم هي خطوة هامة يجب أن تكتمل بجمع أكبر قدر ممكن من الحقائق والبيانات والبدء بملاحقة دولة اسرائيل قانونيا أمام المحكمة الجنائية الدولية وأمام المحاكم الوطنية في الدول التي تسمح قوانينها بملاحقة و محاسبة الجرائم الدولية المنظمة.
ويمكن الاستفادة في هذا الصدد من قرار جامعة الدول العربية الصادر بتاريخ 9/9/2009 والذي ينص على المطالبة بإنشاء لجنة تقصي حقائق في إطار الأمم المتحدة حول قيام عصابات دولية إسرائيلية بعمليات سرقة الأعضاء البشرية للعديد من الشهداء الفلسطينيين والعرب.
الشهيد مشهور العاروري الذي استشهد عام 1976 يعود من أبديته الصعبة، وبعودته يفتح ملفا كبيرا وقاسيا، داعيا منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي أن تشارك في جنازته المتأخرة ليروا الوجه البشع لدولة لم تكتف بمعاقبة الأحياء وتجفيف حياتهم وإنما تلاحقهم بعد الموت.
وزير الاسرى في السلطة الوطنية الفلسطينية


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات