بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> سجل الخالدين >> سجل الخالدين >>
المصريون في يوم الغضب: من نسيان "سعد حلاوة" إلى إحياء "محمد البوعزيزي
  31/01/2011

المصريون في يوم الغضب: من نسيان "سعد حلاوة" إلى إحياء "محمد البوعزيزي "
حامد بن عقيل 26/01/2011.


سعد إدريس حلاوة 1947 - 26 فبراير 1980
هل احتاج المصريون كل هذه السنوات ليثوروا؟. هل انتظروا تونس التي استيقظت على صوت تقصف عظام "محمد البوعزيزي" تحت لهيب النيران ليعلنوا رفضهم للعسف الذي يمارسه الحزب الوطني بقيادة مبارك منذ ثلاثين عاماً؟.
في السادس والعشرين من فبراير القادم تحل ذكرى رحيل "سعد حلاوة" الذي سبق "محمد البوعزيزي" بواحد وثلاثين عاماً في التضحية بحياته كي يقول "لا". مجنون مصر الجميل الذي تلوثت دماؤه الطاهرة بمكر السادات حين أرسل شرطته بقيادة إسماعيل النبوي لقتل سعد حلاوة. كانت الأوامر محددة وواضحة، قتل "سعد إدريس حلاوة" لأنه قاوم التطبيع مع إسرائيل، ففي يوم الثلاثاء 26 فبراير 1980 وهو اليوم المحدد لاستقبال السادات للسفير الإسرائيلي الياهو بن اليسار لتقديم أوراق اعتماده كأول سفير إسرائيلي قي مصر بعد معاهده كامب ديفيد، قرر سعد حلاوة التعبير عن رفضه لخطوة السادات باستقبال السفير الصهيوني وقام باحتجاز سبعة رهائن، ثم لم يبق معه إلا رهينتين من موظفي الوحدة المحلية بقريته للمطالبة بطرد السفير الإسرائيلي. وقد قام احد القناصة بقتله.
يبدو، في تلك الفترة، أن العالم كله سمع بذلك المزارع، إلا مصر التي صمت شعبها لأنه لا يؤمن بتضحيات أبنائه في الداخل، ولأنه لم يستمع جيداً إلى نشرات الأخبار التي كانت تقول: شاب ولد في مصر بقرية أجهور، وبرشاش مصنوع محليا ومسدس روسي قديم، ومذياع، ومصباح اقتحم دائرة حكومية بقريته، ولم يطلق الرصاص أبدا، لكنه احتجز اثنين من الرهائن للمطالبة برحيل السفير الإسرائيلي. فعل ما اعتقد ان عليه فعله في ظل سكوت الأحزاب التي لم يكن ينتمي إلى أي منها، لكنه انتمى إلى حزب مصر هذه التي أريد لها أن تنتقل من فاسد إلى فاسد، وأن يغرق أبناؤها في سفن وعبارات صدئة، وأن تُنتشل جثامينهم من تحت أنقاض مبانيها المتهالكة وأحيائها الآيلة للموت من أثر الفساد. كل ما فعله حلاوة هو أنه حاول المطالبة بإخراج السفير الإسرائيلي من مصر، واتهم السادات بالخيانة، ثم أطلق أغانيه الوطنية من مسجله الذي لم يرد النبوي إسماعيل له أن يصل إلى أسماع المصريين، فأمر بإطلاق النار عليه.
بعد أكثر من ثلاثين سنة يخرج المصريون إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم، تلك الحقوق التي ضاعت من قبل كامب ديفيد وستستمر بالضياع ما لم يواصلوا اعتصامهم والمطالبة برحيل الحزب الوطني الفاسد، فمصر لم يكن لها أن تنتظر جثمان "محمد البوعزيزي" لتعلن الانتفاضة، فقد كان بإمكانها أن تفعل ذلك منذ وقت طويل جداً لو أنها أنصتت لمذياع "سعد حلاوة" وهو يذكرهم بمعنى مصر، ولو مشى المصريون على ضوء المصباح الذي كان يحمله مجنون مصر الجميل، كما وصفه نزار قباني.

قباني في رثاء مجنون مصر:

"مجنون واحد فقط خرج من هذه الأمة العربية الكبيرة العقل المتنحسة الجلد الباردة الدم، العاطلة عن العمل.. فأستحق العلامة الكاملة.. قي حين أخذنا كلنا صفرا.. مجنون واحد تفوق علينا جميعا وأستحق مرتبة الشرف قي ممارسة الثورة التطبيقية قي حين بقينا نحن قي نطاق التجريد والتنظير.. هذا المجنون العظيم اسمه سعد إدريس حلاوة.. وعلاماته الفارقة مجنون.. حسب آخر تخطيط دماغ أجرى له قي مستشفى أنور السادات للأمراض العصبية أما بالنسبة لنا ؟ نحن أهل الجنون فإن سعد إدريس حلاوة. كان مصريا مثقفا، ومتوازناً، وهادئ الطباع، نال شهادة البكالوريوس قي الهندسة الزراعية وربط قدره بتراب مصر، وبالنسبة لتاريخ المقاومة المصرية فإن سعد إدريس حلاوة هو أول مجنون عربي لم يحتمل رأسه رؤية السفير الإسرائيلي يركب عربة تجرها الخيول إلى قصر عابدين قي القاهرة"، مضيفاً قباني لرثائه سخريته اللاذعة من طريقة عمل الأنظمة العربية حين تشوه سيرة الشهداء: "من هو سعد حلاوة؟، جمجمة مصرية كانت بحجم الكبرياء وحجم الكرة الأرضية.. إنه خنجر سليمان الحلبي المسافر قي رئتي الجنرال كليبر.. هو كلام مصر الممنوعة من الكلام.. و صحافة مصر التي لا تصدر، و كتّاب مصر الذين لا يكتبون، وطلاب مصر الذين لا يتظاهرون، ودموع مصر الممنوعة من الانحدار، و أحزانها الممنوعة من الانفجار. سعد حلاوة.. حسب النشرة الطبية الصادرة عن مستشفى القصر العيني قي القاهرة رجل متخلف عقليا.. أي متخلف عن اللحاق بحركة التطبيع ومفاوضات الحكم الذاتي واتفاقيات كامب ديفيد وما يعتبر في علم الطب تخلفا قد يعتبر في علم السياسة تقدما وما يعتبره أنور السادات غباء أو رذالة أو قرفا يعتبره الفكر العربي ذكاءً وفكراً لقاحاً.. وهذه هي مشكلة سعد حلاوة فهو عندما حاصر المجلس البلدي قي أجهور لم يحاصر مبنى بقدر ما حاصر اتجاها ومخططاً وعندما أطلق النار على قوى الأمن التي هاجمته لم يكن قي نيته أن يقتل شخصاً بعينه.. إنما كانت نيته أن يقتل فكرة أو على وجه التحديد فكرة مصر الإسرائيلية.. إن سعد حلاوة لا يمثل بحركته انطفاء الذاكرة المصرية بقدر ما يمثل توهجها واشتعالها
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات