بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> سجل الخالدين >> سجل الخالدين >>
هكذا نفذت لولا عبود عمليتها الاستشهادية.. وأنقذت رفاقها
  16/09/2011

16 أيلول ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية
هكذا نفذت لولا عبود عمليتها الاستشهادية.. وأنقذت رفاقها


والد الشهيدة الراحل الياس عبود أمام صورتها إثر استشهادها (م.ع.م)

نبيه عواضة


كانت الساعة قد قاربت الثانية عشرة ليلا عندما وصلت ابنة القرعون لولا الياس عبود الى قريتها، بعد مسير شاق دام أكثر من 13 ساعة، فقد سبق لسيارة ان اوصلتها الى اطراف قرية مرستي الشوفية ومن هناك ترجلت المقاومة الشيوعية البقاعية من السيارة ومعها مسدسها الحربي وسلكت طريقا وعرا جدا. صعودا الى قمم جبل الباروك ثم نزولا الى بلدة صغبين عند الكتف الغربي للبقاع الغربي ومنها تسللت الى نقطة معينة في احد البساتين عند اطراف بحيرة القرعون، حيث كان ينتظرها احد المقاومين. انتقلا سوية الى الجهة الشرقية من القرية ودخلا منزلا سريا يستخدمه عناصر المقاومة الوطنية اللبنانية نقطة تجمع وانطلاق، وكان عبارة عن فيلا فخمة مطلة على موقع لتجمع آليات وجنود الاحتلال الاسرائيلي.
كان فارس في انتظار المقاوم الجديد. لم يكن يعلم انه ابن قريته او انها لولا ابنة جيرانه. يتحدث فارس عن لحظة اللقاء الاولى بها، فيقول «بدوت كما لو أنني اتعرف عليها من جديد، للوهلة الاولى لم تصدق عيناي ان جارتي وابنة قريتي هي من ستنفذ تلك العملية النوعية المتمثلة بزرع عبوة ناسفة عند مدخل الموقع الذي تطل عليه الفيلا، بغية تفجير رتل من الاليات.
كانت لولا متحمسة جدا للعملية، سألتها، يقول فارس، «لماذا انت متعبة يا لولا»، فاجابتني»ان المسير كان طويلا جدا»، ثم بادرت الى خلع حذائها وقالت لي «انظر الى قدماي كيف تورمتا لكن لا بأس في الصباح سوف امشي قليلا، فالمسافة الفاصلة بين المنزل والموقع لا تتعدى المئتي متر»..
لم تغف لولا كثيرا في تلك الليلة. كانت تنام قليلا ومن ثم تنهض. تغفو لتعود وتنهض فتذهب مسرعة نحو نافذة صغيرة مطلة على الموقع تلقي عليه نظرة ومن ثم تلتفت نحو البحيرة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، وكأنها تنظم قصيدة، ثم تستدير نحوي، يقول فارس، وتحدثني تارة عن عمليات المقاومة وتارة اخرى عن القرية وعن الشهداء. قالت انها معجبة بالشهيدة سناء محيدلي. تحدثت عنها بكثير من الفخر. وصفت لنا بتشويق كيف أدارت سناء مقود سيارتها نحو موكب من حافلات العدو وفجرت نفسها به. غنت لولا اغنية «غابت شمس الحق» للفنانة جوليا بطرس بعد ان روت لرفاقها الثلاثة عن عملية تصفية ضابط الاستخبارات العسكري في جيش العدو الميجر جنرال «ابو النور»، العملية الشهيرة التي نفذتها جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في صيف العام 1984عند مدخل بلدة مجدل بلهيص البقاعية ردا على مجزرة سحمر التي ارتكبها الاحتلال..
يومها تمكنت مجموعة من المقاومة من استدراج الضابط الامني «ابو النور» الى نقطة معينة بعد ان استطاعت تجنيد «عيسى» (عميل مزدوج قتل هو وزوجته في ظروف غامضة بعد سنتين من العملية) الذي تربطه صلة تنسيقية بالضابط. كانت فرحتها كبيرة وهي تتحدث كيف اطلقت المجموعة الاولى النار من كواتم للصوت نحو سيارة «ابو النور» واردته قتيلا قبل ان تشتبك المجموعة الثانية مع سيارتين كانتا برفقة الضابط الذي وقع في مصيدة المقاومين بعد ان كان موعودا من قبل «عيسى» بتسليمه عناصر للمقاومة، لتسفر المواجهة عن مقتل «ابو النور» واثنين من الجنود الاسرائيليين.
في صباح الحادي والعشرين من نيسان 1985 غادرت لولا نومها المتقطع وارتدت حذاءها الرياضي وهي لم تكن قد بدلت ثيابها التي وصلت فيها. بنطلون كاكي وقميص وحزام على وسطها. ربطت شعرها الى الوراء ووضعت قبعتها على رأسها، وقالت لفارس «الساعة الان هي العاشرة وعلينا ان ننطلق». اقترب رفيق آخر من الحقيبة المخصصة للعبوة الناسفة وقام بتجهيزها. حاولت لولا ان تحملها فوجدتها ثقيلة جدا فعادت ووضعتها ارضا. أطلقت ابتسامة تنم عن خجل، سألها فارس اذا كانت تريد ان تتناول الطعام، فردت «تكفيني قطعة خبز مع قرص «بيكون». سألتها، يقول فارس، أتريدين كوبا من الشاي الساخن»؟ فأجابتني بالنفي، وقالت «تأخرنا يا رفيق».
خرجت المجموعة المكونة من ثلاثة اشخاص بهدوء وبشكل متقطع، فيما بقي الرابع في المنزل يراقب من بعيد، كان الاتفاق ان تتبع لولا اشارات فارس كي يدلها كيف ستسلك الطريق الترابية ومن ثم تتجه نحو مدخل الموقع من الناحية الخلفية على ان يقوم بمهمة حمايتها واسنادها وتأمين انسحابها. ثقل الحقيبة المتفجرة والتي تزن ما يقارب الـ60 كيلوغراما من المواد الشديدة الانفجار دفع بفارس الى تناولها من يد لولا وحملها عنها. وعند وصول المجموعة الى حدود الارض التابعة للمنزل بمحاذاة الطريق الترابية حيث يفصل بينهما شريط شائك، رفع فارس الشريط فعبرت لولا من تحت الشريط بخفة ومن ثم وقفت وطلبت من فارس تسليمها الحقيبة.
لم تنفض لولا التراب عن ثيابها. مدت يدها إلى فارس وأخذت الحقيبة منه ووضعتها على ظهرها وسارت بخطوات سريعة نحو الهدف. توقفت قليلا. كان فارس يهم بتجاوز الشريط الشائك فيما الرفيق الآخر كان ما يزال خلفه.. انتبه فارس الى ان لولا توقفت عن السير، فتوقف هو أيضا في مكانه منبطحا.. ثم التفتت للخلف ونظرت اليه. ابتسمت واستدارت ثانية وأكملت سيرها. عجلت خطاها.. وما هي الا لحظات حتى اطلق العدو النار نحو المجموعة فما كان من لولا الا ان ركضت بسرعة نحو مدخل الموقع وهناك فجرت نفسها. دوى انفجار قوي هز المنطقة، اصيب فارس في وجهه فهو كان لا يزال ينظر صوبها. تناثر جسدها وتلاشى تعبها. بكى فارس لولا حين كان يروي حكاية عمليتها قائلا «لن انسى وجهها وهي تلتفت نحوي وتستودعني ضحكتها الأخيرة... كما لو أنها تريد ان تقول لي وداعاً يا رفيقي. عودوا انتم. أنا لن أعود.
تلك الضحكة بدت أكثر إشراقاً قبيل مغادرتها بيروت، في ذلك النهار استغربت صديقتها رؤيتها أمام المرآة تتبرج، على غير عادتها، قبل أن توضح لها: «عندي عرس في البقاع».


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات