بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قرى الجولان السورية المدمرة  >>  المُهّجرين السوريون  >>
وتوقف.. الزمن.. القنيطرة مدينة الاشباح
  05/12/2007

وتوقف.. الزمن  القنيطرة.. مدينة الأشباح

اسم البرنامج: مهمة خاصة
 فارس المهداوي/ العربية
 

وتوقف.. الزمن


 فارس المهداوي: الطريق إلى الجولان، شعور غريب ينتابك عند التوجه إلى هذه الهضبة الواقعة في جنوب غربي سوريا، عند التوجه إلى الجولان لا بد بالمرور في عاصمتها القنيطرة، أو كما يسمونها السوريون "المدينة الشهيدة" هذه أطلال مدينة كانت عامرة قبل عام 1967 عند احتلالها من قبل القوات الإسرائيلية، انسحب الإسرائيليون منها بعد حرب تشرين في عام 1973 لتحيلها إلى أكوام من الركام بعد أن دمرت منازلها وشواخصها بالديناميت والجرافات، هذه المدينة التي أتجول فيها الآن تبدو وكأنها مدينة أشباح خلت من ساكنيها، لكنها في الحقيقة مدينة حبلى بالقصص والذكريات.

مدينة كبرى تقطنها 10 عائلاتأنا فارس المهداوي لبرنامج مهمة خاصة أنقل لكم جزءاً من هذه الذكريات على لسان من تَبَقّى من أهلها. كان يسكن في هذه المدينة قبل الحرب أكثر من خمسين ألف نسمةٍ غادروها ولم يتبقَّ في المدينة أثناء دخول القوات المحتلة أكثر من عشرة عوائل أكثرهم غادروا الحياة، سألنا عن معنى اسم الجولان قالوا كانت الأرض المغبرة المتعبة، والآن الأرض السليبة الثائرة، الإحساس بالدمار يدمر النفس أحياناً كل شيء يشعرك هنا بقهر الاحتلال، ثقوب المدافع الرشاشة تثقب الذاكرة أحياناً، نحن أيضاً حاولنا أن نثقب تلك الذاكرة بأن قمنا بالبحث عن عائلة الحاج زهدي شكاي الذي لم يفارق مدينته طيلة حياته، هو الوحيد الباقي في المدينة تشاركه زوجته الحياة في هذا المنزل القديم، تعينه على غربة الذاكرة التي تحاول أن تستعيد نفسها فقد جاوز عمره الثمانين عاماً. أنت مقرر تبقى هنا ولاّ تطلع برا؟
زهدي شكاي: لأ هون.. أنا هون، بنتي تجوزت وعندها ولاد وعندها بنات وأخوي كمان نفس الشي صار عنده ولاد أتركهن وروح؟ لأ.
فارس المهداوي: ناوي تبقى إن شاء الله.
زهدي شكاي: إن شاء الله، لكان! بإذن الله تعالى مو بإذني أنا.. لأ، الله سبحانه وتعالى، الله هو.. طيب اللي إجا دبّر الأغراض اشترينا من هون جبنا من هون عم نتحدث مع بعض جيراننا كمان نفس الشي مثل الأخوة والأخوات.
فارس المهداوي: الآن الحارة ما فيها حدّ؟
زهدي شكاي: ما فيها ناس.
فارس المهداوي: ما فيها حد بس أنت.
زهدي شكاي: الاحتلال.. أنا كانت معاي وحدة شو اسمها؟ اسمها صبرية؟ ياللي هو مسكينة راحت عجزت وراحت.
فارس المهداوي: الحاج وزوجته يعينان بعضهما البعض دون الرجوع إلى الآخرين، كل شيء في المنزل يوحي لك بالقدم، وعبق الماضي والتأريخ تشتمه في كل أرجاء المنزل والحي والمدينة، الليل بدأ يرخي سدوله في المدينة الباردة المظلمة، كنا نراقب طريقنا بحذر فنحن نتجوّل في منطقة نصفها محرر ونصفها الآخر محتل، الأقمار التجسسية الإسرائيلية تراقب كل شيء هنا، أخبرونا في طريق العودة أن رجل آخر يعيش في أطراف المدينة عاصر فترة الاحتلال لحظة بلحظة، الطريق إلى منزل الحاج رمضان رمضان ليس بعيداً، كان رجلاً ضئيل الحجم، ولكنك تشعر وكأنك أمام جبل صوته جهوري وحماسي يعرف كل شيء عن تاريخ العرب والبلدان المجاورة، يتذكر لحظات الحرب بأدق تفاصيلها، تشاركه زوجته أم راضي أحياناً شريكته في الحياة والمقاومة. احكي لي يوم اللي هجيتوا من الثلجيات يوم اللي هجيتوا احكي لي ياها.
رمضان رمضان: كنا قسمين قسم أول ما اشترينا الأرض هذه هون وقسم هنيك من العيلة يعني إحنا إخوان أربع خمس أخوة وعيلات، هون عاد فهمت علي لما صارت الحرب رحنا فهمت علي منشان يعني حسبنا حساب إنه ننزح ونضيع بعضنا، رحنا جبنا العيلة هديك وجينا قعدنا مضينا عاد هنا كل حرب الاستنزاف، يعني أول ما يصير حرب بدك تجمع عيلتك، سحبنا عيلتنا من هناك جينا قعدنا هون، هالشباب اللي من رجلينا كل واحد بارودة ما خليناهم يطيحون الدرب جاي، كل مدة حرب تشرين أول ما صارت حرب تشرين كسرنا إسرائيل وفتنا عالقنيطرة، جمعنا العيلة منشان لا نضيع فهمت علي شلون؟ أنت تعرف عربي؟ قلنا يعني صار كثرت الشغلة نضيع بعضنا هذه جبناها وقعدنا هون، هالشباب كله كل واحد معه سلاحه سلمتنا الدولة سلاح ما واحد إلا ما معاه سلاح، حتى النسوان هذه تقوس بالبارودة، هذه لو إنك شفتها بحرب الـ 1967 (يشير إلى زوجته التي تجلس إلى جانبه) كامشة البارودة متجندة فيها ما تنام الليل ننام إحنا هي تظل تناوب مثل الحرس، من وقت تسمع شخير الدبابة تجهز الشباب، والله هذه شايفها حاربت لحتى عجزت، لما كلهم ينهزمون تصير تزغرت تعرف تزغرت؟ يعني لولوليش إي والله.
فارس المهداوي: إيش عندك أنت ذكريات عن هذه الأيام، وقت صارت الحرب بالـ 1967 ولما دخلوا الإسرائيليين للقنيطرة وين كنتوا؟ سولفيلي عن هذيك الأيام.
أم راضي: والله هنا والله هنا حتى هذا يرضى حطيته بظهري وطبت ضربتنا وإحنا قاعدين شايلين العديان ومتبدرين هنا بالكروم هذا للزلم، إحنا النسوان بكرمة، والله ضربتنا الطيارة والله والله كتب لنا سالمين، وعاودنا وقعدنا هنا ضربتنا من فوقنا طبت غربينا، شو بدي أحكي لك يا عمي؟ والله أنا ما أعرف شو بدي إحكي لأحكي.
رمضان رمضان: قوليله بالبارودة قوستي لما جبتي جاي وإحنا نايمين وقعدتنا كلياتنا بالليل ونقعد مناوبة، ليلة من الليالي قالت أنا ودي.. ناموا إنتو أنا بدي أقعد، قعدت نزول هم من هالدوار هذا اللي فتم علينا وجاي يحاولون كل المحاولة تيخشون القرية هذه ما قدروا، بس يشوفوا الضو فهمت علي ّ بس نمضيها يكونوا معانا الشباب معاهم رشاشات خمسمائة كروها عليهم راحوا هجروا، بعدين العبارات نحط لهم ألغام تحت العبارات لما يجيون يطير هو والبيت ما يسترجون يمشون كمان، غير كشافة قدامهم عالدرب يعسونهم ما يجربون غير لحتى يجيبون كشافة، ولا طيرنا كل بيت على هالطرقات شو بدي أقولك؟
أم راضي: إحنا ما فينا نزيح ولا ننزح لساتنا هينا، إسرائيل تضرب علينا شي ما طلعنا من بلادنا هنا ما طلعنا.
رمضان رمضان: مضينا من حرب 1967 للـ 1973 مقاومة، وما خليناهم يخشّون البلد نهائياً شلون رأيك؟
فارس المهداوي: ذاكرةٌ حيةٌ متقدة، لفحتني أنفاسه المحملة برائحة الدخان وذكريات الماضي البعيد فارتعشت، يصفر صوته في أذني مزنجراً متحدياً القهر والاحتلال، توادعنا على أمل اللقاء في اليوم التالي في المدينة المدمرة.
[فاصل إعلاني]

الخراب والدمار شاهدفارس المهداوي: توجهنا صباح اليوم الثاني إلى القنيطرة الحاج رمضان مرةً أخرى، آثار المعركة باقيةٌ في حقله وعلى جدران منزله، شاهدٌ على الحرب جاوز عمره الـ 80 عاماً، ولكنه يتمتع بحيوية الشباب، يرافقنا ويتوغل بنا إلى ملاعب الصبا وموطن الذكريات، السير في شوارع المدينة المقفرة يوحش النفس، الأشجار الميتة والأحجار المنزلقة فوق بعضها يجعل الإحساس خاشعاً أمام منظر التدمير، هذه التوصيفات لا تستطيع أية كاميرا أن تستوعبها، مستشفى الجولان والذي جعله الإسرائيليون حقلاً للرماية والتدريب، المباني الشامخة أصبحت خراباً، والمساجد والكنائس أصبحت مرتعاً آمناً للطيور المهاجرة، الطبيعة الساحرة تمتزج بتناغم مع الحجر المبعثر لتصنع لوحةً يعجز الفنان عن صنعها، الحرب لا تترك آثاراً على الطابوق والحجر فقط بل أنها تتعدى ذلك لتصل إلى أعماق النفوس.
رمضان رمضان: هذه محافظة القنيطرة هي مئة وخمسين بلد هسه جوا كلهم محافظة القنيطرة، من البطيحة عسيق وهو جاي عالغجر على بانياس عالزعورة على هذه مسعد على عين قنا على على على مئة وخمسين قرية معدودات، هذه كلهن محافظتهم القنيطرة واحد كلها هذه مرادها سوقها هون هالخضرة لهون تنزل، هذا سوق الخضرة هون، هذا سوق الحب عند الشجرة من هنيك، كل شيء كل ما تجي تكب على القنيطرة كانت حلوة كثير حلوة يعني شو بدي أقول لك الشاب مثل الرصاص البنت مثل الرصاص كل شيء موجود لحم خبز فرانة أكل طيب هون، عالبراد بدال ما بدك تاكل رغيف برا بتاكل ثلاث رغفان، وعالبراد بتاكل هسه بالشوب ما بتاكل زفر ما بتاكل أنا ماكل كيلو ونصف لحم وأرجع آكل براد، تاكل.. بالشوب ما بدك تاكل زفر ما بدك تاكل شيء هنا تاكل قد ما بدك براد هالهوا مثل هيك ما يتغير.
فارس المهداوي: الأماكن التي يسيطر عليها الإسرائيليون ليست بعيدة عنا، هذه الأسلاك الشائكة هي الحد الفاصل بين سوريا والأراضي المحتلة، إنها مشاهد لا تُنسى وخصوصاً لأهل المدينة الذين نزحوا عنها.
رمضان رمضان: هي إسرائيل من خط الغرب، هي الزرعة إسرائيلية إسرائيل شوف هالزرع اللي هي بطاطا تفاح ما بعرف هي هذا حدها إسرائيل من هنا وغرّب هيك وهي رايحة هيك شابكة هيك..
فارس المهداوي: هي السيارات هي شنو السيارات؟
رمضان رمضان: هالسيارات هي من الحرب الـ 1967 الضرب بالطيران والدنيا والشظايا وبالقنيطرة صار بالسلاح الأبيض بعد لما فاتت للقنيطرة بالسلاح الأبيض من شارع لشارع، هذه هون المراقبة تركب يرشدوننا، أيوا كل حي لحال نحن بالقنيطرة حي الحوارنة حي العرب حي الشراكس، شوف سووه كل بيتين بيت كل بيتين سووه هيك، هذي حارة التركمان كلها حارة التركمان ظلت سبع أيام بالسلاح الأبيض هون بالسلاح الأبيض ما بيخلون واحد يفوتون يضرونهم بالسلاح الأبيض، بعدين صارت الطيارات تجيب شائلة يعني فيها شي خمسمئة كيلو تطجها عالدور تضربها عهديك تنهد هي من قوتها، بعدين البيوت ظلت العالم وهجت شوف جمعوهم منشان تظل أهالي تحاربهم، يعني هذه الخطة اللي سوونها، ولاّ ما كانت تطلع يعني لولا البيوت ما انضربت ما تطلع شيلة هالبيوت هدموها تظل أنت تحت الشمس وتحت ما تظل. يعني منين بدك تشوف هالخراب هذا وقلبك يهدأ؟
فارس المهداوي: هذا خط الحدود الفاصل بين سوريا وإسرائيل، ومن هذه النقطة الرئيسية تقوم العائلات السورية بإيصال الأزواج من الذكور والإناث بين أبناء المدينة الواحدة حتى لا تنقطع الصلة بالرحم ولا بالوطن، هذه هي الأرض المحتلة؟
رمضان رمضان: هذا الحد يعني بيننا وبينهم هسع حالياً يعني عرفت شلون؟ حالياً وقف إطلاق النار هون، ولكن الحد نحن للغرب ثلاثين كيلو متر عرض وطول مدري أديش تعرف من حدود لبنان لحدود الأردن هذه أرضنا هذه الغربية كلها أرض زراعية حلوة كثير كثير إلنا نحن مئة وخمسين بلد جوا، بلد مثل القنيطرة وأكبر كلها مئة وخمسين بلد معدود هذه كلها جوا هادينها مو هادينا ما نعرف هذه إلنا، بس هسه حالياً هذا الحد الفاصل اللي يعني معناته أنه المعبر هذا من أطوار وغاد تاعهم ونحن من أطوار وجاي يعني هذه هي عرفت شلون؟ بلاد حلوة هذه حلوة حلوة كثير كثير كلها شجرية كلها عنب كلها تفاح كلها شغلات تعرف شلون؟ يعني هذه لو محال فهمت علي بدنا نسترجعها ما فيه نتيجة هذه ما ندشرها نهائي هذه أرض إلنا وغالية علينا الغربية غالية علينا، تعيش طروشنا تعيش الشعب كله خضرة وماء، الماء والدنيا كلها تعرف الجنة أخذوها هذه كل شيء كل الثمار فيها، كل الثمار موجودة فيها هذه مستحيل يعني إنه نتركها نحن وندشرها مستحيل هذه تظل بقلوب العرب على طول الخط ما فيه.
فارس المهداوي: المدينة كبيرة وشواخصها كثيرة والتجول فيها يحتاج إلى نهارات طويلة، قادنا الحاج صوب مقبرة الشهداء وهي مقبرة ضمت رفات الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن بلادهم، هنا النصب التذكاري الذي أقيم لهم، الكثيرون يعتقدون أن للمقابر مناظر موحشة وكئيبة، ولكنك هنا تشعر وكأنك في فردوس صغيرة يشرح قلبك بمجرد التجوال بين الأضاريح المضمومة وسط الحشائش وأحجار المرمر .
رمضان رمضان: كل واحد رايح له شهيد يجي يزور هالجنة، يعني هون ولا مو هون تعرف جابوها عظام وظلت مدة ظلت شغلات في الحرب بحرب تشرين انذبح خير الله يمكن يكونوا إسرائيل كامشينه وكان مقتول وحاطينه بأكياس وبعد ما انسحبوا كسرتهم أخوي أعطى معلومات للدولة الثانية تعرف أنه بالمطرح الثاني غرب الخان أربعمئة قتيل جابوهم بأكياس، هلأ أنا أقول لك أني شفتهم قالوا الزلمة وزعهم مثل ما هم بالأكياس، حتى بو كيس مجروح فايت عليه الدود، بس اللي مو مجروح ظله يمكن شي شهرين اللي مو مجروح لحاله تعرفه هذا فلان، كان حاطينهم غرب خان تعرف عند المحافظة من هينه حاطين لقيت الشهداء هناك بعد ما هديت الأمور جابوهم سلمتهم الأمم المتحدة تعرف ما قتلتك أنت تطلب من الدولة الثانية سلموها وجابوها لهنا.
فارس المهداوي: يقودنا الحاج مجدداً إلى أماكن أخرى، يقول إن هذه أكبر دار عرض سينمائي في ذلك الوقت، إنه وصف وسرد لتاريخ عمره أكثر من أربعين عاماً، على هذه المنصة كان يحضر الممثلون والراقصات، الحرب أكلت كل شيء حتى موطن الفنون لا بل تعدت ذلك حتى إلى دور العبادة، رطوبة المساء ترطب الذاكرة أحياناً لتدفعنا بعد ذلك صوب المقبرة المسيحية، بعد دخول الإسرائيليين قام جنودهم بفك أقفال هذه الغرف أو خلع أبوابها من أجل الحصول على كل شيء ثمين دون أية مراعاة لحرمة الموتى.
رمضان رمضان: تعال ضوي هيك ضوي هيك، هي فتحوها قواس هي شايف الرصاصة وينها؟ تعى يا ولد تعى.. هي يسكرونها هي مفتاحها قوسوها وفتحوها منشان يدورون عملة وما عملة وشغلات وما بعرف.
فارس المهداوي: الليل والبرد ومنظر الجماجم المبعثرة كانت تبعث فينا رهبةً لا يكسرها إلى صوت الحاج المجلجل، كنا نستعجل العودة فللظلمة عند القبور هيبة أخرى، بعدها قررنا المغادرة أثناء عودتنا كان اللقاء الذي لا تستطيع كل مفردات اللغة إلا أن تقف عاجزةً أمامهما، رجلان ممزوجان بغبار ودخان وعبير مدينة لا يمكن لها أن تمحى من
الذاكرة.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات