بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> قرى الجولان السورية المدمرة  >>  المُهّجرين السوريون  >>
ذاكرة جديدة بنت لي بيتاً في المنصورة
  17/06/2016

ذاكرة جديدة بنت لي بيتاً في المنصورة

 

مكانتي كناشط إسرائيلي بمجال الذاكرة الفلسطينية خلقت توتراً دائماً بين رغبتي في حث أفكار ونشاطات تتحدى جذور النظام الإسرائيلي وبين الحذر من استملاك هذه الذاكرة والسيطرة على صيانتها. لكن القصة التي بنيتها برفقة شريكة حياتي مع القرية المهجرة المنصورة بنت لي ذاكرة جديدة وبيت جديد.

ايتان برونشطاين أفريسيو

منذ سنوات وأنا أعمل في مجال الذاكرة السياسية، في تفكيك وبناء الأفكار الجامعة. أقمت منظمة تعنى بالذاكرة (بالإشارة الى منظمة “ذاكرات”) لكني بقيت دائماً بمكانة الخارجي نسبةً إلى الذاكرة التي تعاطيت معها. كانت هذه الذاكرة الفلسطينية التي لم تكن ذاكرتي بشكل عضوي. قمت بتنظيم زيارات للقرى الفلسطينية التي هدمتها إسرائيل في النكبة، وبادرت إلى نصب لافتات في هذه القرى تعرف بها، وهي الممارسة المترسخة في التقاليد الكولونيالية عميقاً. مهجري القرى الفلسطينية في إسرائيل تبنوا فكرة اللافتات بسرور لا سيما وأنها تتحدى النظام الكولونيالي الذي أوجدها. منذ ذلك الحين، وهو يقومون بوضع علامات في أماكنهم التي هدمتها إسرائيل خلال النكبة.

 

قصة المنصورة أصبحت قصتي، أعني قصتي أيضاً وليس فقط قصتي. أدركت بأنه، وبفضل علاقتي مع الينور، الفجوة التي كانت بيني وبين الذاكرة التي لم تكن ذاكرتي انمحت تقريباً بالمنصورة.

مكانتي هذه كناشط بمجال الذاكرة التي لم تكن ذاكرتي خلقت توتراً دائماً بين رغبتي في حث أفكار ونشاطات جديدة وهامة تتحدى جذور النظام الإسرائيلي وبين الحذر الواجب من استملاك هذه الذاكرة والسيطرة على صيانتها. أذكر احدى المرات حين كنا، عرباً ويهوداً، في زيارة للقرية المهجرة مسكة في يوم الاستقلال احياءً لنكبة القرية. بعد أن تعثرت بعض الأمور، بدأ أحد الإسرائيليين بتقديم العظات لمهجري القرية حول ما عليهم فعله. شعرت بعدم الراحة وكان علي أن أعبر عن ذلك على مسمع الحاضرين. لكنني من جهة أخرى تعاطفت معه، فلقد تربينا الاثنان على كوننا أسياد البلاد وبأن على أبنائها الفلسطينيين أن يخضعوا لإمرتنا.

النكبة هي تاريخ كل مع يعيش في البلاد وكل من يعتبرها نفيسة. بيد أن هذه صورت من خلال سيرورة سياسة-اجتماعية ك”كارثة من وجهة نظرهم”، كذاكرة جماعية للفلسطينيين فقط. لهذا، فهناك فجوة ثابتة بين ذاكرة النكبة ككارثة من ناحية ضحاياها الفلسطينيين وبين الآخرين مثل الإسرائيليين، مثلاُ، اللذين يستطيعون بأكثر حال أن يناضلوا ضد المساعي لمحوها من تاريخ البلاد. بيير نورا الذي ميز بين التاريخ والذاكرة ادعى بأن الأول “هو نشاط فكري ومعلمن يستدعي التحليل والفكر النقدي. الذاكرة تموضع التذكر في حيز المقدسات: التاريخ ينفضه من هناك (…) الذاكرة تنبع من المجموعة التي توحدها. (…) التاريخ (…) ينتمي للجميع وللا أحد، الميزة التي تؤهله لغايته العالمية. الذاكرة تستنبط جذورها في المحسوس، في الحيز، في الاجلال، في الصورة وفي الغرض.

محاولة الحفاظ على حد بين الدعم، التضامن والاعتراف بالظلم الذي تسببت فيه الدولة للفلسطينيين وبين الامتناع عن استملاك الذاكرة هي مستمرة وثابتة. في المسألة الفلسطينية، أنا اقف اذاً بمنزلة ما في الوسط، وسيط بمعنى معين. هذا الذي يتعلم من الفلسطينيين، يستمع اليهم ويسعى الى ترجمة ذاكرتهم لتاريخ لكي تكون مفهومة وممكنة على “التحليل والفكر النقدي” بين اليهود في البلاد.

هناك الكثير من التحدي في هذه المنزلة وهي ليست مريحة دائماً لأنني لا أشعر فيها بالبيت أبداً. هي تتطلب مني الحذر والحساسية لأن هذا البيت ليس بيتي إنما البيت الذي قمت باحتلاله، الذي قمنا باحتلاله. نكبة مسكة لم تصبح ذاكرتي، هي ليست مقدسة من ناحيتي كما هي من ناحية مهجري القرية، حتى بعد أن قمت بزيارة المكان مرات كثيرة برفقة المهجرين.

ذاكرة شخصية جديدة

في المنصورة بالجولان المحتل وجدت نفسي بمكانة أخرى. المنصورة هي واحدة من مائتي قرية كانت في الجولان حتى احتلاله بيد إسرائيل عام 1967. سكان القرية كانوا من أصول شركسية ووصل عددهم حوالي ال-1100 نفر. هذه قصة اقوم ببنائها سوية مع شريكتي في الحياة منذ خمس سنوات الينور. في المرة الأولى التي نجحت فيها بالوصول الى القرية التي ولد فيها والدها، كنت أنا من حدد موقعها. عندما نزلنا من السيارة، تركتني وتجولت في القرية لمدة طويلة من الوقت وهي مرتجفة وصامتة. وكأنها حاولت أن تسمع والدها وهو طفل يلعب كرة الطائرة هناك، وهي الرياضة التي تفوق بها. استغرقها بعض الوقت حتى نجحت في تقبل وجودي معها هناك ومشاركتي بما تعرفه عن القرية. 

منذ ذلك الحين عدنا إلى القرية، مرة تلو الأخرى، وبنينا لأنفسنا قصة مع المكان. ذهبنا مع الأقارب والأصدقاء ووضعنا في المنصورة معالم ذاكرة فيزيائية ورمزية. كما التقينا بفاروق، والد الينور الذي ولد هناك، والذي شاركني بمعلومات وذكريات كثيرة عن القرية: قام برسمها، بالتعرف على بيوت مختلفة من خلال التصوير الجوي الذي احضرناه له حتى أنه قام ببناء نموذج عن المولد الهوائي الذي انتج الكهرباء لبيته منذ عام 1936.عدنا مع قصصه ونماذجه الى المنصورة وخلقنا بواسطتها تجارب وأغراض اضافية. وقد كان أوج هذه العملية في الزيارة العامة التي نظمناها بنهاية الأسبوع 2016\4\2-1 بمشاركة ثلاثين شخص. غالبيتهم أصدقاء إسرائيليون وبعضهم شركاء لنا من الجولان وبالتحديد من مجدل شمس.

في طريق العودة من هناك، في خضم الانفعال من التجربة، اتضح لي بأن قصة المنصورة أصبحت قصتي، أعني قصتي أيضاً وليس فقط قصتي. أدركت بأنه، وبفضل علاقتي مع الينور، الفجوة التي كانت بيني وبين الذاكرة التي لم تكن ذاكرتي انمحت تقريباً بالمنصورة. الينور حملت ابننا في بطنها وقد كان حضوره هناك في المنصورة واضحاً، مما أكد أكثر على تحول هذه القرية المهجرة إلى بيت لي. الذكريات التي جمعتها عن هذا المكان بنت لي بيتاً هناك. ذاكرة أولية، ذاكرة ركبتها كبدلة على هويتي كإسرائيلي.

النشاط الأهم الذي قمنا به برفقة مشاركي الجولة كان عندما استرجعنا على الأرض اطار البيت الذي كان لفاروق بواسطة احجار البيت المهدوم. ونحن نعمل على ازاحة الحجارة سمعنا صوت فاروق عبر مكبر الصوت يحكي لنا القصص عن البيت وعن ترعرعه في القرية. بينما كنت انقل الحجارة، أنصتت له وتذكرت الساعات الطويلة التي تبادلنا خلالها أطراف الحديث في بيته، وقد شحذت هذه اللحظات شعوراً حميمياً في داخلي ضمن ذاكرة المنصورة. هذا الجانب الحميمي يسبق السياسي. العنصر الحميمي منح الجانب السياسي زخماً كبيراً، وهذا ما كان واضحاً بحسب ردود أفعال المشاركين في هذه الجولة الخاصة.

محاولة التغلب على هوية الكولونيالي تحصل على تعبير جسدي متعدد الحواس. الجسد ينقل الحجارة، يستمع الى الأصوات وينظر الى رسم البيت الذي يتشكل على الأرض. هذه سياسة جسد كاملة تدربني على القيام بعكس ما تعلمته تحت كنف وكلاء النظام الإسرائيلي. أنا أبني، رمزياً ولكن أيضاً فيزيائياً، ما هدمته إسرائيل. الدعم من الأصدقاء والصديقات يعزز الشعور بأن هناك شيء جديد تحت قيد البناء، هوية جديدة تتحدى الهوية المحتلة.

مكانتي هذه كملغي للهوية الكولونيالية تصبح ثنائية القطبية في المنصورة بشكل خاص. ذاكرة المنصورة هي لفاروق، لالينور ولي. مع ذلك فأنا لا أنسى للحظة بأنني أيضاً إسرائيلي كولونيالي في هضبة الجولان. ربما هذا هو السبب وراء التعب الشديد الذي شعرت به مدة أيام بعد عودتنا إلى تل أبيب.

مدير شريك في معهد “de-colonizer” ومؤسس منظمة “ذاكرات”.

*شكر لنورما موسي، اورلي فريدمان، توم بيساح وجلعاد هلبيرين على المراجعة والملاحظات المفيدة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات