بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الحركة الاسيرة >> سيطان الولي >>
سيطان الولي.. جولاني الهوية عربي الهوى
  22/04/2012

منارات في الظلام
سيطان الولي.. جولاني الهوية عربي الهوى

موقع الجولان


يقولون بأن الضرورة تتبدى عبر مصادفات لا حصر لها.. ولكن ضرورة ان يعتقل صديقنا سيطان في ذات اليوم الذي كان يحتفل فيه بعيد ميلاده التاسع عشر، فهذه بالتأكيد صدفة كان لها مدلول خاص في حياة الشاب الجولاني ابن مجدل شمس السورية، لقد كانت لحظة توقف لحريته الجسدية وانبثاق لحرية اليد لديه, انه اليوم الثالث والعشرون من شهر آب عام 1985، عندما اقتحمت قوى الاحتلال منزل عائلته، الذي كان لا يزال يحمل رائحة كعكة عيد الميلاد التي صنعتها والدته بمناسبة عيد ميلاده التاسع عشر.
وجد نفسه مكبل اليدين والقدمين فيما عيونه لا ترى سوى الظلام، حتى قبل ان يغادر حدود البيت الذي لا زالت تحلم قدماه بالعودة السريعة إلى موطئ عتبته التي تبعث في أوصاله روح الحياة من جديد.
ربع قرن ويزيد هي الفترة الزمنية التي تفصل رفيقنا سيطان عن ذلك اليوم الذي قرر فيه مصير حياته الراهن، ذاك اليوم الذي كان فيه حراً وبدون أية قيود يتجول مع قطيع أغنامه في تلال وسهول مجدل شمس، عندما ضجت اذناه بصوت دبابات الاحتلال التي بدأت تراقبها عيون سيطان وهي في طريقها صعوداً إلى لبنان، لم يجل في خاطره حجم المآسي والخراب الذي ستتركه هذه الدبابات إلا عندما جلس في ساعات المساء مع بقية أفراد أسرته يشاهد على التلفاز نتائج العقول التي كانت تحرك هذه الدبابات على الأرض.
عدة سنوات فقط هي المساحة التي توفرت لسيطان ومجموعة من رفاق حارته في تحويل العاب التسلية التي كانوا يمارسونها صغاراً إلى العاب حقيقية، فمارسوا حقيقة مواجهة الجندي المحتل بجهد ذاتي محلي ضمن إمكانيات محدودة متواضعة تفتقد للدعم والخبرة والتجربة الغنية التي التي كان يمكنها مساعدتهم على التواصل والاستمرار لفترة اطول، فانكشف أمرهم بعد ان قاموا بالعديد من النشاطات والمهام النضالية المختلفة والتي كان ثمنها أحكام عالية بحقهم حتى بمقاييس المحتل حيث كان نصيب صاحبنا سيطان اثنين وعشرين عاماً لم تنته بعد هذا الضرر الذي كان ولا زال يسبب له دوخة والماً في الرأس تم اكتشافه من قبل طبيب السجن عام 1989 وفقاً لتقارير إدارة السجون، فيما صاحب الرقبة المعطوبة لم يعرف حقيقة مصيبته الا عام 2001 وحتى هذا الاهتمام الظاهري المتأخر بالوضع الصحي له لم يتأت إلا بعد تدخل السفارة الصينية بناء على طلب من الحكومة السورية والفاجعة هي ان هذا الاهتمام المتأخر حتى من قبل حكومته ايضاً لم يكن بدون ثمن باهظ دفعه الرفيق الشهيد هايل رفيق سيطان في النضال والسجن، والذي تم إطلاق سراحه وهو على فراش الموت، ولم يسعفه العلاج المتأخر في الخارج من مرض السرطان فانضم إلى كوكبة الشهداء الذين تجاوز عددهم الخمسين مناضلاً سقطوا نتيجة الإهمال الطبي المتعمد من قبل مصلحة السجون، مع هذا لم ينجح المرض في كسر إرادة الحياة لدى صديقنا سيطان، فقد ظل يحمل بين ثنايا جسده المنهك ملامح الفرح القادم، تلازمه الابتسامة وتبعث الدفء في ليالي السجن الباردة حتى تجمد المشاعر في بعض الأحيان، لم يفوت اية فرصة يمكن انتزاعها للفرح المسروق من فم السجان الا واستثمرها بشغف وإبداع، ومن اللحظات الراسخة عميقاً في ذاكرته ويشعرك عندما يتحدث عنها وكأنها قد حدثت للتو، هو ما جرى معه في سجن تلموند عندما استغل الحالة الاستثنائية من حيث الزمان والمكان، فقام بإعداد كعكة عيد ميلاد من صنع يدوي وبمواد اولية بدائية للاحتفال بعيد ميلاد طفلين من أبناء أخته صادف عيد ميلادهما في يوم زيارة الأهل وذلك في عام 1994، فقام بإدخالهما في الربع ساعة الأخيرة من الزيارة وفق ما هو مسموح لمن هم دون سن السادسة بالدخول عند الأسير، حيث تم إيقاد شموع عيد الميلاد وبقية الأهل كانوا يشاركون في الاحتفال من الجهة المقابلة للشبك، فيما بقية أهالي الأسرى يراقبون المنظر ويهنئون الأطفال وسط دهشة وتعجب السجانين الذين يمارسون مهنتهم في حراسة الطرفين.


ثلاثة وعشرون عاماً حتى الان قضاها رفيقنا أبو النمر متنقلاً من قيد إلى اخر دون ان يفقد حرارة الأيام الأولى التي كانت مفعمة بحب المعرفة والإطلاع، واقتناص كل لحظة تمر فيما هو ميسر له ولمن حوله من الأسرى، فقد ساهم في الهم الاعتقالي العام من خلال تقديم الأفكار والمقترحات الايجابية التي تعزز روح الوحدة والمجابهة لدى المعتقلين، وكان دوماً نموذجاً للمناضل القادر على قراءة اخطائه وأخطاء الحركة الأسيرة، ومحاولة الاستفادة منها وتجاوزها، حيث بادر إلى إعداد دراسة حول الإضراب الأخير وأسباب فشله. ولم يقف عند هذا الحد، بل كان مثابراً على تطوير ذاته المعرفية وقدراته الكتابية، حيث نجح صديقنا سيطان والذي دخل السجن بشهادة التوجيهي فقط، في أن يؤلف كتاباً تحت عنوان " سلال الجوع " وكتابة عدة مقالات متنوعة تحت اسم " شظايا اعتقالية"، بل ونحا مؤخراً نحو كتابة الشعر واخذ يتعلم بمجهود فردي وبمساعدة بعض الأسرى أوزان الشعر بعد ان اكتشف بأنه شاعر في طور التكوين.


ومع هذا يبقى الجزء الأعز على قلبه هو الإبداع في مجال الاعمال اليدوية ذات الطابع الفني والتي تحتاج إلى إبداع وابتكار، ولقد أراد ان يعمق تواصله مع الأهل والأحبة عبر تقديم الهدايا المميزة التي يصنعها بيديه، لقد أراد في كل مرة ان يقدم هدية أفضل من التي سبقتها، فكان يعصر بكل قوة تلافيف دماغه ليخرج المنتوج بأحسن ما يكون، فيما الإبداع الأبرز لديه كان في مجال الكهربائيات حيث كان عالمه الخاص والذي نجح فيه بصناعة باص وطائرة مروحية يتحركان بالكهرباء من خلال استخدام "موتورات الوكمن" وتركيبها بطريقة ما داخل هيكل كرتوني مزوق، كما كان يقوم بإصلاح معظم الأدوات الكهربائية التي ناضل الأسرى من اجل امتلاكها دون ان يكون لديه خبرة سابقة في هذا المجال، فإذا كان لديه بلاطة او إبريق شاي "كمكم" راديو أو سماعة خربانة ستكون محظوظاً اذا كان سيطان في نفس السجن أو القسم لأنها ستعود للعمل بسرعة.


ومع هذه الاضاءات التي شهدتها حياة سيطان الاعتقالية، ومحاولته الدؤوبة للانتصار والتغلب على واقع السجن، الا ان حياته الاعتقالية مرت بمحطات قاسية حملت معها مشاعر الحزن والقهر الذي لا يمكن محوه من الذاكرة، ومن هذه المحطات البارزة صفقة تبادل حزب الله عام 2004 حيث اخبره المحامي هو وبقية أسرى الجولان قبل أسبوع من التبادل بأن الإفراج عنهم مضمون وهم مشمولون في القائمة، حيث عاشوا لحظات الانتظار والأمل والفرح بكل جوارحهم، ولم يكتفي المحامي بذلك بل وصف لهم الاستعدادات التي تجري لاستقبالهم في الجولان السوري. وكانت الصدمة الحادة عندما سمعوا المؤتمر الصحفي للشيخ حسن نصر الله والذي أكد فيه على ان حاملي الجنسية الإسرائيلية لم يتم الاتفاق على إطلاق سراحهم.


لقد ذكر أسرى الأراضي المحتلة عام 48 ولم يذكر أسرى الجولان، تبقى لديه خيط الأمل الذي سرعان ما انقطع عندما توجه احد الصحفيين بالسؤال للشيخ: ماذا عن أسرى الجولان؟ فكانت الصعقة عندما كان الجواب ما ينطبق على اسري الداخل لا ينطبق على أسري الجولان، تصور ان يرفض إطلاق سراحك لانك تحمل الهوية الاسرائيلية، فيما انت في الاصل موجود في السجن لأنك رفضت الهوية الإسرائيلية وقاومت الاحتلال، لقد لاحقهم الضيم حتى في صفقة التبادل، كما وسبق ولاحقهم في الحكم عليهم كمواطنين خانوا " دولتهم" فيما حكومتهم الحقيقية والشرعية انتظرت خمساً وعشرين عاماً لتصدر مرسوماً يؤكد هويتهم السورية من خلال اصدار ارقام هوية لهم، والسؤال المعلق كم سننتظر حتى ننجح في إطلاق سراحهم.. ربما لحسن حظ سيطان انه لن يحتاج إلى الانتظار أكثر من أربع سنوات أخرى إضافة إلى السنوات الثلاثة والعشرين!!
هذا غيظ من فيض.. لقطات من مسيرة منارة متقدمة دوماً في واقع مجبول بالالم والمعاناة تحاول جاهدة ان تحافظ على مساحات من الفرح والحب الممزوج بروح المقاومة مع الذات والمحيط بكافة أشكاله، صراع نجح فيه صاحبنا بالخروج منه مرفوع الهامة يمشي ويردد مع ابن بلده المغني والمناضل المشهور سميح شقير "يا جولان إللي ما تهون علينا" سامعينك يا مطول ليلك وانت تنادي علينا، لا بد الشمل يلتم... " نعم لا بد ان يلتم شمل سيطان ومعه شمل الجولان اجلاً ام عاجلاً.

  من لقاء غير منشور اجراه  الصحفي المعتقل أبو تامر " حسن فطافطه"
 داخل معتقل نفحة  الى جريدة القدس  في فلسطين

نفحه /2007

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات